أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

أحكام الحضانة والنفقة في مدونة الأسرة

 من اعداد: طلبة ماستر  المهن القانونية والقضائية بتطوان الفوج الثاني.



       مقدمة :

قطع المشرع المغربي أشواطا مهمة في إعادة هيكلة مضمون وصياغة مدونة الأحوال الشخصية انطلاقا من مدونة 1957 مرورا بتعديلات 1993 ووصولا إلى مدونة الأسرة لسنة 2004، حيث نلمس أن المشرع المغربي حاول بشكل جلي أن يخلق الانسجام بين طبيعة المجتمع المغربي ذو المرجعية الإسلامية والمتشعبة بالعادات والتقاليد وكذا التزام المغرب على المستوى الدولي وخاصة الاتفاقات الدولية التي انظم إليها المغرب وأصبح ملتزما بها.

وما يمكن ملاحظته عن هذه المدونة أنها أثقلت كاهل القضاء، بحيث أصبح لهذا الأخير دورا أساسيا في مجمل المراحل ابتداء من الخطبة ومرورا بالزواج ووصولا إلى انحلال ميثاق الزوجية .

إلا أنه ما يهمنا في هذا الصدد هو ما يتعلق بالحضانة والنفقة لكونهما يعتبران كيانين من الكيانات التي تنبني عليها الأسرة، وخصوصا إذا علمنا أن الحضانة تؤثر إما بالإيجاب أو بالسلب على استقرار وحسن تربية المحضون، وخصوصا عند انحلال ميثاق الزوجية مما يتعين معه ضرورة الحرص على توفير الرعاية اللازمة والملائمة للطفل، وقد تطرق المشرع المغربي لأحكام الحضانة من خلال المواد من 163 إلى 186 من مدونة الأسرة.

هذا من جهة، أما من جهة ثانية لا تقل أهمية عن الحضانة، تعتبر النفقة من أهم الركائز الأساسية التي ينبني عليها الهيكل القانوني لمدونة الأسرة، حيث جاءت هي الأخرى بمجموعة من المقتضيات التي تصب في مصلحة الأطراف المستفيدة منها (الزوجة والآباء والأبناء) وقد تطرق المشرع المغربي لأحكام هذه النفقة في المواد من 187 إلى 205 من مدونة الأسرة.

 

 

 

 

ومن هنا يمكن طرح الإشكال التالي:      

ما هي أحكام النفقة والحضانة في التشريع المغرب؟

لمعالجة هذا الإشكال ارتأينا أن نقسمه إلى ما يلي:

المبحث الأول: أحكام الحضانة

المبحث الثاني: أحكام النفقة

المبحث الاول :احكام الحضانة

الحضانة باعتبارها حفظ الصبي والقيام بمصالحه وشؤونه، هي من الواجبات الطبيعية للأبوين، مادامت الزوجية قائمة بينهما ومادام الولد في حاجة لمن يحفظه ويرعاه، و لكن قد تعترض الحياة الزوجية أمور خارجية تؤدي إلى انحلال هذه العلاقة، وفي هذه الحالة لا يمكن للصغير إلا أن يكون مع أحد مع ضرورة الحرص على توفير الرعاية اللازمة والملائمة من أجل نشأة هذا الطفل.

ويكون ذلك من خلال وجود إطار قانوني محكم ينظم أحكام الحضانة خاصة عند انحلال ميثاق الزوجية وهو ما نلمسه من خلال أحكام مدونة الأسرة وخصوصا ما جاءت به من مستجدات على مستوى الأحكام المتعلقة بالحضانة هذه الأخيرة التي حاول المشرع المغربي من خلالها أن يكون منسجما مع اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 20 نونبر 1989، والتي دخلت حيز التنفيذ على المستوى الدولي بتاريخ 2 شتنبر 1990. وإن تحفظ على ما جاءت به المادة 14 من هذه الاتفاقية والمتعلقة بالحرية الدينية للطفل[1].

و للإحاطة بأحكام الحضانة سنعمل على تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين حيث سنتناول مفهوم الحضانة و شروطها في(المطلب الأول) ثم مدة الحضانة و اسباب سقوطها في(المطلب الثاني). 

المطلب الاول:مفهوم الحضانة و شروطها

في هذا المطلب سوف نعمد إلى تناول التعريف بالحضانة ومستحقوها من خلال الفقرة الأولى، ثم التطرق إلى شروطها في الفقرة الثانية

الفقرة الاولى : تعريف الحضانة و مستحقوها و ترتيبهم

  أولا: تعريف الحضانة لغة: من الحضن وهو الصدر مما دون الإبط وحضن الشيء جعله في حضنه أي ضمه إلى صدره. وحضن الطائر بيضه حضنا وحضانا: ضمه تحت جناحيه. والحضانة (بالفتح والكسر) إسمه منه[2].

الحضانة فقها: كما عرفها الفقيه المالكي ابن عرفة هي: حفظ الولد في نفسه ومؤونة طعامه ولباسه ومضجعه وتنظيف جسده[3].

فالحضانة إذن هي: المحافظة على الطفل من كل ما يضره والقيام بلوازمه إلى أن يستغني عن خدمات النساء[4].

الحضانة قانونا: حسب (المادة 163) من مدونة الأسرة فهي "حفظ الولد مما قد يضره والقيام بتربيته ومصالحه" والملاحظ أن كلا التعريفين الفقهي والقانوني متقاربان إلى حد كبير.

 

 

ثانيا:مستحقو الحضانة و ترتيبهم

تعتبر المادة (171) من مدونة الأسرة من أهم المستجدات التي جاءت بتعديل بالغ الأهمية، مخالفة بذلك ما تضمنه الفصل (99) من مدونة الأحوال الشخصية والتي كان ترتيب مستحقي الحضانة حسبه على الشكل التالي:

الأم- ثم أمها- ثم أم أمها- ثم أخت أمها الشقيقة – ثم التي لأمها- ثم للأب – ثم....إلخ.

في حين نجد أن المادة (171) من مدونة الأسرة قد حددت المستحقين للحضانة و حصرتهم في الام ثم الاب ثم الجدة للام،مع اعطاء المحكمة صلاحية اسناد الحضانة لغيرهم من الاقارب اذا تعذر اسنادها للمستحقين الثلاث المذكورين.

كما اكدت نفس المادة على ان السكنى اللائقة للمحضون تعتبر من واجبات النفقة .[5]

الفقرة الثانية: شروط الحضانة

 نظرا لأهمية الحضانة و اثرها على تربية الطفل و رعايته، فقد قيدها المشرع بشروط لابد من توافرها في شخص الحاضن، و هي المنصوص عليها في المادة 173 من مدونة الأسرة .

         أولا – الرشد القانوني لغير الأبوين:

         يشترط في غير الحاضن من الأبوين بلوغ سن الرشد القانوني المنصوص عليه في المادة 209 من مدونة الأسرة، و هو 18 سنة شمسية كاملة، مما يفيد ان الحاضن يجب ان يكون كامل الأهلية، بمفهوم المادة 206 من نفس القانون اعلاه .

         و لعل المشرع لم يشترط هذا الشرط في الأبوين، اعتبارا و مراعاة لمقتضيات المواد الأخرى من مدونة الأسرة التي تسمح بزواج من لم يبلغ سن الرشد، و انسجاما مع المادة 22 التي تنص على ان " المتزوجان يكتسبان طبقا للمادة 20 اعلاه، الأهلية المدنية في ممارسة حق التقاضي في كل ما يتعلق بآثار عقد الزواج من حقوق و التزامات ... "  و لعل من الحقوق التي يمكن التقاضي بشأنها ما يرتبط بالحضانة .

ثانيا – الاستقامة و الأمانة :

و يعني ذلك ان يكون الحاضن مستقيما في دينه و أخلاقه، حتى لا يؤذي المحضون و يؤثر فيه بسوء اخلاقه او بفسقه، كما يجب ان يكون امينا عليه في نفسه و عقله و ماله .

ثالثا - القدرة على تربية المحضون و صيانته و رعايته دينا و صحة و خلقا و على مراقبة تمدرسه : 

         و يعني ذلك ان يكون الحاضن قادرا على القيام بجميع مستلزمات المحضون، بأن يكون صحيح الجسم و سالما من الأمراض المعدية، و له من الامكانيات المادية و المعنوية  ما يجعله يتكفل برعاية المحضون دينا و صحة و خلقا و تمدرسا .

 

 

         رابعا – عدم زواج طالبة الحضانة الا في الحالات المنصوص عليها في المادتين 174 و 175:  

         عدم زواج الحاضنة يختلف حسب ما اذا كانت هذه الأخيرة أما أم غيرها، و ذلك حسب التفصيل المبين في المادتين 174 و 175 .

         و تجدر الاشارة، الى ان القضاء يتحمل مسؤولية كبرى في التأكد و التحقق من توفر الشروط المذكورة اعلاه، في طالبة الحضانة، و ذلك عبر القيام بمجموعة من التحريات و البحوث التي من شأنها الاطمئنان على مصلحة المحضون و سلامته، و هو ما تم تأكيده من خلال الفقرة الأخيرة من المادة 173 اعلاه، التي تنص على " انه اذا وقع تغيير في وضعية الحاضن خيف منه الحاق الضرر بالمحضون، سقطت حضانته و انتقلت الى من يليه " .

 

المطلب الثاني : مدة الحضانة واسباب سقوط الحق فيها.

 بعد أن تطرقنا في المطلب الأول لتعريف الحضانة ومن يستحقها وترتيبهم وكذا شروطها، سوف نعمد في هذا المطلب الثاني إلى تناول مدة الحضانة (الفقرة الأولى) ثم أسباب سقوطها في (الفقرة الثانية).

  الفقرة الأولى: مدة الحضانة

   بتصفح أحكام مدونة الأسرة وبالضبط المادة 166 في فقرتها الأولى، نجدها تنص على أنه" تستمر الحضانة إلى بلوغ سن الرش القانوني للذكر والأنثى على حد سواء". وعليه فإن مدة الحضانة تبتدئ منذ ولادة الصغير سواء كان ذكرا أم أنثى، وتنتهي حين بلوغه سن الرشد القانوني ألا وهو ثمانية عشر سنة شمسية كاملة.

   ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن المشرع المغربي في تحديده لمدة الحضانة، يكون قد وحد بين سن الرشد القانوني وسن الزواج وبين السن الذي تنتهي فيه مدة الحضانة.

  و إذا انتهت العلاقة الزوجية بين الزوجين لأي سبب من الأسباب فإنه يحق للمحضون الذي بلغ سن الخامسة عشر سنة أن يختار من يحضنه من أبيه وأمه.[6] ويرى بعض الباحثون في هذا المجال أنه وإن كان المشرع المغربي لم يقيد اختيار المحضون لحاضنه من أبيه وأمه عند بلوغه سن 15 سنة بأي شرط، فإنه ينبغي ان يكون هذا الإختيار مرتكزا على مصلحة المحضون التي تقتضي بأن يكون هذا الإختيار مقترنا بالتوافق والتفاهم بين الأب والأم خاصة فيما يتعلق بأداء مسؤوليتهما معا في تربية المحضون ورعايته وتوجيهه على الوجه المطلوب.[7]  

   وفي حالة عدم وجود أبويه، تستطرد نفس المادة قائلة (المادة 166 من مدونة الأسرة)، بأنه في حالة عدم وجود أبويه يمكن للحاضن الذي بلغ سن 15 سنة اختيار حاضنه من بين أحد أقاربه المنصوص عليهم في المادة 171[8] من من نفس المدونة، لكن شريطة أن لا يتعارض ذلك مع مصلحته وأن يزكي ذلك بموافقة نائبه الشرعي، فهو أدرى بمصلحته والحارس عليه، مما يجعله لا يوافق في بعض الأحيان، وقد يرفد لأسباب أخرى قد تكون عن سوء نية في بعض الأحيان، لكن في جميع الأحوال فإن رفضه- أي النائب الشرعي – هذا يجيز رفع الأمر إلى القاضي من أجل البث في مصلحة القاصر.

الفقرة الثانية: أسباب سقوط الحضانة.

نصت المدونة في المادة 175 على سقوط الحضانة عن الأم التي يصعب على مستوى التطبيقي تنفيذه ، وقد تطرق ذ.محمد الكشبور لذلك عندما قال :” نجد أن المشرع أدخل على مضمون النص تعديلات يصعب معها – إن لم نقل يستحيل- من الناحية القانونية إسقاط الحضانة عن الأم رغم زواجها”

تنص هذه المادة  كذلك على أن زواج الحاضنة الأم، لا يسقط حضانتها إلا في الأحوال الآتية:
1-
 إذا كان المحضون صغيرا لم يتجاوز سبع سنوات ، أو يلحقه ضرر من فراقها .
2-
 إذا كانت بالمحضون علة أو عاهة تجعل حضانته مستعصية على غير الأم.
3-
 إذا كان زوجها محرما أو نائبا شرعيا للمحضون.
4-
 إذا كانت نائبا شرعيا للمحضون “.
      ومن ضمن المستجدات التي أتت بها المدونة الجديدة هي التنصيص على عدم سقوط الحضانة بانتقال الحاضنة إلى بلدة أخرى داخل المغرب مع مراعاة مصلحة المحضون، بعكس الانتقال خارج المغرب الذي يسقط الحضانة إلا إذا وافق نائبه الشرعي.
ونصت مدونة الأسرة كذلك  ما يستفاد منه  بعدم جواز  تجزيء موضوع الحضانة، إذ مع تعدد الأطفال لا يحق لطالب الحضانة أن يطلب حضانة البعض دون الآخر ، وقد تكون - في حالات غير قليلة معروضة على المحاكم- الحاضنة غير قادرة على حضانة كل الأطفال عند تعددهم لسبب من الأسباب المادية أو المعنوية التي تتطلب التوجيه والمراقبة.
وقد أثار ذ.احمد الخمليشي موضوعا مهما جديرا بالمناقشة تتعلق بتوزيع الحضانة بين الأبوين مثلا في حالة تعدد الأولاد يقول ” يرضي عاطفتهما الأبوية معا ويحول دون التجاء كل واحد منهما إلى الطعن في سلوك وأخلاق الآخر للوصول إلى حرمانه من الحضانة”[9]
         وإسناد مدونة الأسرة على قاعدة عدم تجزيء موضوع الحضانة غير مبني على نص في كتاب أو سنة وإنما يستند في ذلك إلى القياس يقول الفقيه الرهوني ” أخذ الأئمة مسائل من الحضانة من مسائل من الشفعة” وقال الوانوغي ” وشفيع ذلك كله واحد وليس له إلا أن يأخذ الجميع أو يسلم ..أخذ منها أن من له حضانة متعدد انه ليس له اخذ البعض دون البعض”
وقد أضم رأيي إلى تساؤل ذ.الخمليشي الذي استفسر فيه عن العلاقة بين حضانة الطفل من احد أبويه وبين رغبة الشريك في ضم الجزء الذي باعه شريكه من المال المشترك.

المبحث الثاني : احكام النفقة

     نظمت مدونة الأسرة العديد من الالتزامات المالية المرتبطة بعقد الزواج سواء ذات المصدر الإتفاقي والتي يعد تدبير الأموال المشتركة بين الزوجين أبرز مثال لها، أو تلك التي نجد مصدرها القانون مثل الصداق والمتعة والنفقة، وهذه الأخيرة هي التي موضوع بحثنا هذا الذي سنحاول ان نتناول فيه الأحكام العامة للنفقة من خلال المطلب الأول، ثم الأحكام الخاصة بها في المطلب الثاني.

   المطلب الأول: الأحكام العامة للنفقة.

    إن المقتضيات العامة للنفقة كما تم تضمينه في الباب المنظم للنفقة في مدونة الأسرة تتمحور أساسا حول التعريف والموجبات (الفقرة الأولى) وكذلك مشتملاتها وتقديرها (الفقرة الثانية).

   الفقرة الأولى: تعريف النفقة وموجباتها.

   النفقة لغة هي إسم الانفاق ويطلق على ما يؤمن الإنسان به نفسه وذويه، أما اصطلاحا فتعني إخراج الشخص مالا ينفق به على من تجب عليه نفقته، وتشمل المأكل والملبس والمسكن[10].

  وقد عرفها كذلك الأستاذ محمد الكشبور في كتابه الواضح في شرح مدونة الأسرة، بأنها تعني من النااحية الإصطلاحية ما تحتاج إليه الزوجة في معيشتها اليومية من غداء وتطبيب وكسوة حسب العرف والعادة، على ما تقضي به صراحة أحكام المادة 189 من مدونة الأسرة، بالإضافة طبعا إلى ما يتطلبه بيت الزوجية من أفرشة وأغطية وأواني وأجهزة أخرى، تسهل التعايش والتساكن داخل ذلك البيت.

وبهذا يطرح السؤال حول ما هي موجبات النفقة؟ أو بصيغة أخرى ما هو دليل وجوبها وما هو سندها الشرعي؟

كإجابة على هذا السؤال، فإن النفقة ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع، حيث يقوا الله سبحانه وتعالى في هذا الصدد "... وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف... "[11]، ويقول جل علاه أيضا "  لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه، فلينفق مما أتاه الله لا يكلف نفسا إلا ما أتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا "[12].

كذلك أوجبت السنة النبوية الشريفة نفقة الزوجة على زوجها طبقا لأحاديث كثيرة، منها قوله عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع " اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، لا يملكن لأنفسهن شيئا، ولهن عليكم كسوتهن ورزقهن بالمعروف"، وروي أيضا عن الرسول صلى الله عليه وسلم انه قال لهند بنت عتبة عندما اشتكت عليه بأن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيها ما يكفيها هي وولدها: " خدي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف"[13].

  وكذلك فإن الزواج الصحيح هو الذي يوجب النفقة، أما إذا كان فاسدا فلا تستحق الزوجة نفقتها قبل البناء لأنه يجب حالئذ التفريق بين الزوجين وليس الإستمرار في المعاشرة الزوجية، أما إذا وقع البناء، فتترتب عنه اثار العقد الصحيح إلى أن يصدر الحكم بفسخه[14].

  كما أن النفقة تجب على الزوج سواء كانت الزجة غنية أو فقيرة، مسلمة أو كتابية، ما دامت الزوجة قائمة حقيقية (كالباقية في عصمة زوجها) أو حكما ( كالمطلقة طلاقا رجعيا قيل انتهاء عدتها )، وإن كان الملزم بأداء النفقة غير قادر على تسديدها لكل من يلزمه القانون بالإنفاق عليه، تقدم الزوجة، سواء كانت واحدة او أكثر، ثم الأولاد الصغار ذكورا أم إناثا.[15]  

 

  الفقرة الثانية: مشتملات النفقة وتقديرها.

   تنص المادة 189 من مدونة الأسرة في فقرتها الأولى على أنه " تشمل النفقة الغذاء والكسوة العلاج، وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد، مع مراعاة أحكام المادة 168 أعلاه ".

فاستنادا إلى هذا النص التشريعي، فإن نفقة الزوجة تشمل الغذاء والعلاج والكسوة والتعليم للأولاد وكل ما يعتبر من الضروريات حسب ظروف الزمان والمكان..

 ويرى الأستاذ محمد الكشبور أن هذه العناصر التشريعية للنفقة قد وردت على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، بدليل ان المشرع نفسه قد قرر أنه يمكن أن يضاف إليها ما يعتبر من الضروريات في عرف الناس وعاداتهم، مع الإشارة إلى انه ما يعتبر من الضروريات من مسائل الواقع هي التي يستقل بتقديرها قضاة الموضوع، مع العلم أن القضاء المغربي بدأ يتجه إلى اعتبار واجب توسعة الأعياد عنصرا من عناصر النفقة، يثقل كاهل الأب غير الحاضن لأطفاله.

ونحن بدورنا نقول بأن مشتملات النفقة المذكورة في المادة السابقة هي فقط على سبيل المثال وذلك راجع إلى كون تعداد وحصر هذه المشتملات أمر صعب نظرا لتطور الحياة الاجتماعية من جهة والحياة الأسرية من جهة أخرى، وهو ما جعل المشرع المغربي يفتح الباب أمام القضاء خاصة لتحديد عناصر النفقة حسب وقائع النازلة المعروضة عليه.

 وفي هذا الصدد يطرح الإشكال حول هل تعتبر السكنى من بين عنصر النفقة أم لا ؟

  كإجابة على السؤال، هناك اتجاهين اثنين، الأول يقر بكون أن السكنى لا تدخل ضمن عناصر النفقة والدليل على ذلك الصيغة التي جاءت بها المادة 196 من مدونة الأسرة "المطلقة رجعيا يسقط حقها في السكن دون النفقة إذا انتقلت من بيت عدتها دون موافقة زوجها أو ذون عذر مقبول."[16]     

أما الإتجاه الثاني فيقول بخلاف الإتجاه الأول وذلك لإعتباره السكنى من ضمن العناصر المكونة للنفقة حيث يعنى بها بيت الزوجية الذي يقيم فيه الزوجان وأبنائهما، والدليل على ذلك مجموعة من الأحكام القضائية التي اعتبرتها –السكنى- من ضمن العناصر المشكلة للنفقة.[17]

أما بخصوص كيفية تقدير النفقة، فإن المرجع الأول في تقديرها هو حال الزوج لقوله تعالى في الاية 7 من سورة البقرة " "  لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه، فلينفق مما أتاه الله لا يكلف نفسا إلا ما أتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا".

كما يراعى في تقديرها كذلك حال مستحقها ومستوى الأسعار والأعراف والعادات السائدة في الوسط الذي تفرض فيه النفقة.[18]

ولكل هذا يمكن القول بأن السلطة التقديرية في تقدير النفقة تبقى في الأخير لمحاكم الموضوع لأنهم مجبرين في الأخير على الأخذ بالقدر المطالب به، بل يكون بوسعهم الحكم بأقل منه أو أكثر ما دامت العناصر التي يعتمد عليها هي عناصر واقعية وليست قانونية، غير أن المحكمة تعتمد في تقدير النفقة على تصريحات الطرفين وحججهما، كما أنه يفصل في دعوى النفقة في أجل أقصاه شهر واحد [19].

وأخيرا فإن الحكم الصادر بتقدير النفقة يبقى ساري المفعول إلى أن يصدر حكم آخر يحل محله، أو يسقط حق المحكوم له في النفقة[20].  

المطلب الثاني: الأحكام الخاصة بالنفقة.

  بعد أن تناولنا في المطلب الأول الأحكام العامة للنفقة المنصوص عليها في الباب الأول من القسم الثالث من الكتاب الثالث المعنون بالولادة ونتائجها، سنتناول في هذا المطلب- الثاني- الأحكام الخاصة بها، من خلال التطرق إلى أحكام نفقة الزوجة (الفقرة الأولى) وكذلك النفقة على الأقارب والإلتزام بالنفقة من خلال (الفقرة الثانية ).

   الفقرة الأولى: أحكام نفقة الزوجة.

    بداية لابد أن نشير إلى ان اساس وجوب النفقة هي الزوجية، وتبعا لذلك فإن سبب استحقاق الزوجة لهذه النفقة على زوجها هو جزاء احتسابها لحقه ومنفعته، لان عقد الزواج متى وقع صحيحا، صارت الزوجة حلالا للزوج ولا يحل لغيره أن يستمتع بها، وذلك صيانة لنسب أولاده من الإختلاط، وان تقوم بالمقصود من الحياة الزوجية من تربية الأولاد ورعاية شؤون البيت.

  فحيب المادة 194 من مدونة الأسرة فأن نفقة الزوجة تجب على زوجها بمجرد البناء، كما تجب عليه كذلك إذا دعته لذلك بعد ان يكون قد عليها عقدا صحيحا.

  وتستحق الزوجة النفقة طالما ظلت الحياة الزوجية قائمة ولا حق لها في جميع مشمولاتها إن انتهى الزواج بالوفاة، ولكن يبقى لها الحق في السكن خلال فترة العدة.

  أما إذا انتهت الحياة الزوجية بطلاق، فلا يسقط حق المطلقة في النفقة إلا بانقضاء أجل العدة إذا كان الطلاق رجعيا، لأن هذا النوع من الطلاق لا يؤدي إلى انهاء العلاقة الزوجية حالا ما دامت العدة قائمة[21]. لكن إن حدث وانتقلت الزوجة من بيت عدتها دون عذر غير مقبول او دون موافقة الزوج فإن حقها يسقط بموجب القانون[22].

أما إذا انحلت الرابطة الزوجية بطلاق بائن، فإنه حسب المادة 196 من مدونة الأسرة في فقرتها الثانية، فيحق للمطلقة حينئذ السكنى إلى أن تنقضي عدتها إذا لم تكن حاملا، أما إذا كانت حاملا فحقها في النفقة يستمر إلى أن تضع الحمل.

وقد يحدث ان تمتنع الزوجة عن معاشرة زوجها أو تترك بيت الزوجية بدون مبرر أو تمتنع بدون وجه حق على الانتقال إلى بيت زوجها، فهل تستحق في هذه الحالة النفقة؟

  كإجابة على هذا الإشكال فإن الزوجة في هذه الحالة تعتبر ناشزا، والنشوز هو معصية الزوج، ويرى الجمهور بهذا الشأن ومنهم المالكية أن الزوجة الناشز لا تستحق النفقة، ولكن الظاهرية خالفتهم في ذلك وأقرت بوجوب النفقة للزوجة بالرغم من نشوزها[23]. أما فيما يخص مدونة الأسرة فقد اهملت أحكام النشوز حيث لم يسن لها المشرع المغربي نصوصا صريحة ضمن هذه المدونة، غير انه في المقلبل نص بموجب المادة 195 من نفس المدونة الزوجة التي غادرت بيت الزوحية وصدر حكم بضرورة رجوعها إلى بيت الزوجية وامتنعت عن العودة تسقط عنها النفقة عن المدة الموالية للإمتناع عن الرجوع...

   الفقرة الثانية: النفقة على الأقارب والإلتزام بالنفقة.

 أولا: النفقة على الاقارب.

     إن النفقة على الأقارب حسب المادة 197 من مدونة الأسرة تضم النفقة على الأبناء من طرف الاباء، وكذلك النفقة على الاباء من طرف الابناء.

  أ- النفقة على الأبناء.

   بالرجوع إلى نص المادة 198 من نفس المدونة نجد أن المشرع المغربي اختص الأب بوجوب النفقة عليه لأولاده، وحدد كذلك مدة استمرار الإنفاق على الأولاد ذكورا وإناثا إلى حين بلوغهم سن الرشد القانوني المحدد بموجب المادة 209 من نفس المادة[24]، أو إتمام 25 سنة لمن كان يتم دراسته في حالة كونهم ذكورا، أما إذا كانوا إناثا فإن نفقتهم تستمر إلى ان يتوفرن على الكسب أو تجب نفقتهم على أزواجهن.

أما إذا كان للأب ابناء- ذكورا أو إناثا- بهم إصابة تعجزهم عن الكسب- فإن هذه الإصابة والإعاقة عن الكسب تكون سببا لاستمرار نفقتهم على الآباء.

وتجدر الإشارة إلى أن أهم شرط يتوقف على وجوب النفقة للإبن، وعلى تخلفه حرمانه منها، هو ضرورة ثبوت نسبه من المطالب بالإنفاق، بأن يكون ابنه ولد على فراشه، داخل أمد الحـمل حتى وإن كان العقد فاسدا، أو كان الابن ناتج عن حمل في فترة الخطوبة مع توفر جميع الشروط، المنصوص عليها في المادة 156 من مدونة الأسرة[25].

 وحفاظا على النسل الذي يعتبر المقصد الأساسي التي جاءت به مدونة الأسرة المغربية، فإن المشرع من خلال مقتضيات المادة 220 من نفس المدونة، فإنه يتم تطبيق على من تجب عليه نفقة الأولاد في حالة توقفه عن النفقة لمدة أقصاها شهر دون عذر مقبول جنحة إهمال الأسرة المنصوص عليها في القانون الجنائي من المواد 479 إلى 483.

 ب- النفقة على الأباء.

 قد يصبح الأبناء في بعض الحالات هم الملزمين بالإنفاق على آبائهم، كما لو كانوا ميسورين، ووالديهم غير قادرين على الكسب سواء لمرضهم أو لكبر سنهم، ولا يتوفرون على ما ينفقون به على أنفسهم، لكن يشترك الاستحقاق الوالدين للنفقة أن يقدر الولد على الإنفاق وليس عاجزا عن ذلك .

وتجدر الإشارة إلى أن نفقة الآباء توزع على الأبناء عند تعددهم بغض النظر عن نصيب إرثهم، فقد تتحمل البنت جزءا من نفقة والديها أكثر مما يتحمله أخوها إذا كانت أيسر منه .

وتطبيقا لما جاءت به المادة 204 من مدونة الأسرة فإنه : " يحكم بنفقة الأبوين من تاريخ تقديم الطلب"، أي أن النفقة على الأبوين لا تتقرر حسب الفقه بحكم القانون، ولو توفر شرط الفقر في الأبوين وشرط القدرة في الولد، وإنما يتعين أن يضاف إلى ذلك صدور حكم قضائي بها.

ثانيا: الإلتزام بالنفقة.

تقضي القاعدة بأن كل من التزم بشيء يلزمه، حيث يقول جلت قدرته " يا ايها اللذين آمنوا أوفوا بالعقود[26]".

وهكذا فإن من التزم بالإنفاق على شخص لزمه ذلك وفاء بالتزامه وهذا ما أفذت به المادة 205 من مدونة الأسرة المغربية التي نصت على أنه " من التزم بنفقة الغير صغيرا كان أو كبيرا لمدة محدودة، ألزمه ما التزم، وإذا كانت لمدة غير محدودة، اعتمدت المحكمة على العرف في تحديدها."

وتجدر الإشارة إلى ان الإلتزام في الاصطلاح القانوني هو رابطة بين شخصين او طرفين أحدهما دائن والآخر مدين يترتب بمقتضاها على الطرف المدين" الملتزم" تجاه الطرف الدائن " الملتزم له" الوفاء بالتزامه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة :  

لقد حاولنا من خلال هذا البحث المتواضع أن نقوم بدراسة تحليلية لمستجدات كل من الحضانة والنفقة في التشريع المغربي وإن كان كل من أحكام الحضانة والنفقة يتميزان بطابع سوسيولوجي، يؤثر بشكل أو بآخر على المجتمع سواء في الحاضر أو المستقبل خصوصا وأنها تتعلق بالطفل والمرأة والأسرة بشكل عام.

وعموما فإن نصوص مدونة الأسرة رغم ما بذل فيها من جهد جبار يشكر لأهله، فإن معظم مقتضياتها جاءت تتأرجح بين الجيد والمقبول والمرجح، لكن تبقى الممارسة القضائية هي الكفيلة بإبراز ما ينبغي مراجعته وتعديله عند الإقتضاء.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  لائحة المراجع

 

الكتب العامة:

محمد الكشبور:

 "شرح مدونة الأسرة"، الجزء الثاني، "انحلال ميثاق الزوجية"، الطبعة الأولى، 2015.

العلامة ميارة الفاسي:

 شرح على تحفة الأحكام، دار الفكر، سنة غير مذكورة.

محمد اكدي و عبد الاله لحكيم بناني:

المقتضيات الجديدة لمدونة الاسرة ، مطبعة غير مذكورة، الطبعة الثانية، 2007

   محمد الشافعي:

 الزواج وانحلاله في مدونة الأسرة، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الثالثة، مراكش، 2005.

احمد الخمليشي :

 التعليق على قانون الأحوال الشخصية”، سنة غير مذكورة.

محمد الأزهر:

 شرح مدونة الأسرة، مطبعة دار النشر المغربية، الطبعة السابعة 2015.

الخاصة:

محمد البوشواري، مستجدات مدونة الأسرة حول الحضانة، المجلس القانوني المغربي العدد 10 شتنبر 2006.

المواقع الإلكترونية

http://www.startimes.com/?t=34739179


 

الفهرس

 

مقدمة  1

المبحث الاول :احكام الحضانة  2

المطلب الاول:مفهوم الحضانة و شروطها 3

الفقرة الاولى : تعريف الحضانة و مستحقوها و ترتيبهم 3

الفقرة الثانية: شروط الحضانة  4

المطلب الثاني : مدة الحضانة واسباب سقوط الحق فيها. 5

الفقرة الأولى: مدة الحضانة  6

الفقرة الثانية: أسباب سقوط الحضانة. 7

المبحث الثاني : احكام النفقة  8

المطلب الأول: الأحكام العامة للنفقة. 9

الفقرة الأولى: تعريف النفقة وموجباتها. 9

الفقرة الثانية: مشتملات النفقة وتقديرها. 11

المطلب الثاني: الأحكام الخاصة بالنفقة. 13

الفقرة الأولى: أحكام نفقة الزوجة. 13

الفقرة الثانية: النفقة على الأقارب والإلتزام بالنفقة. 14

خاتمة : 18

لائحة المراجع  19

الفهرس   21

 

 



[1] محمد الكشبور، "شرح مدونة الأسرة"، الجزء الثاني، "انحلال ميثاق الزوجية"، الطبعة الأولى، 2015،  ص 319.

[2] محمد البوشواري، مستجدات مدونة الأسرة حول الحضانة، المجلس القانوني المغربي العدد 10 شتنبر 2006، ص 190.

[3] العلامة ميارة الفاسي: شرح على تحفة الأحكام، دار الفكر، ص 269.

[4] محمد البوشواري، مرجع سابق، ص 190.

[5]  محمد اكدي و عبد الاله لحكيم بناني ، المقتضيات الجديدة لمدونة الاسرة ، الطبعة الثانية 2007   ص 172.

[6]  الفقرة الثانية من المادة 166 من مدونة الأسرة.

[7]  محمد الشافعي، الزواج وانحلاله في مدونة الأسرة، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الثالثة، مراكش، 2005، ص 303.

 [8]  تنص المادة 171 من مدونة الأسرة على أنه " تخول الحضا نة للأم، ثم للأب، ثم لأم الأم، فإن تعذر ذلك، فللمحكمة أن تقرر بناءعلى ما لديها من   قرائن لصالح رعاية المحضون، اسناد الحضانة لأحد الأقارب الأكثر أهلية، مع جعل توفير سكن لائق للمحضون من واجبات النفقة. 

[9].احمد الخمليشي ” التعليق على قانون الأحوال الشخصية” ،ص: 148.- حاشية الرهوني على الزر قاني ، الجزء الرابع ص: 263

[10]  محمد الأزهر، شرح مدونة الأسرة، مطبعة دار النشر المغربية، الطبعة السابعة 2015، ص 258..

 [11] الاية 233 من سورة البقرة.

[12] الاية 7 من سورة الطلاق.

[13] رواه مسلم  والبخاري.

[14] محمد الشافعي، مرجع سابق، ص 134.

[15] محمد الشافعي، المرجع نفسه، ص 134.

[16] محمد الكشبور، مرجع سابق، ص 511.

[17] محمد الأزهر، مرجع سابق، ص 261

[18] الفقرة الثانية من المادة 189 من مدونة الأسرة.

[19] المادة 190 من مدونة الأسرة.

[20] الفقرة الأخيرة من المادة 191 من مدونة الأسرة.

[21] محمد الشافعي، مرجع سابق، ص 136.

[22] الفقرة الأولى من المادة 196 من مدونة الأسرة.

[23] محمد الشافعي، مرجع سابق، ص 137.

[24] المادة 209 من مدونة الأسرة تنص على أن "سن الرشد القانوني 18 سنة شمسية كاملة".

[25]  .http://www.startimes.com/?t=34739179 ، الإثنين 2 ماي 2016، الساعة 16:45.

[26] سورة المائدة، الاية رقم 1.

المدونة القانونية الشاملة
المدونة القانونية الشاملة
تعليقات