من اعداد : ذ. عبد الخالق الحجوجي خريج ماستر المهن القانونية والقضائية.
مقدمة :
أنشأت المحكمة العسكرية بالمغرب بُعَيْدَ الإستقلال، بموجب الظهير الشريف رقم1.56.270 بتاريخ 10 نونبر 1956 ، واستمر العمل بمقتضيات هذا الظهير زهاء ستين سنة،حيث ظلت المحكمة العسكرية، إلى جانب المحكمة العليا، محكمة استثنائية بامتياز، وقد تجلى الطابع الإستثنائي لهذه المحكمة بالخصوص في كونها منظمة بنصوص قانونية خارج ظهيرالتنظيم القضائي للمملكة المغربية، بالإضافة كذلك إلى عدم تجانس هيئة الحكم فيها، والتي تتكون من قضاة عسكريين، ومستشارين بمحاكم الإستئناف، ثم من مستشارين عسكريين،تخضع كل فئة منهم لنظام قانوني خاص بها، ومختلف عن الأنظمة الأخرى لباقي الفئات.
ونظرا لطبيعة المحكمة الاستثنائية وعدم رضا الحقوقيين على نشأتها لاسيما بسبب منحها الاختصاص للنظر في العديد من القضايا التي يرتكبها غير الجنود وفي قضايا المس بالأمن الخارجي للدولة، حيث اعتبرها البعض لتصفية الخصوم السياسيين والضرب بيد من حديد على كل من يحاول التعبير عن رأيه، وبسبب عدم توفر قضاتها ومستشاريها العسكريين على الاستقلال التام تجاه السلطة التنفيذية باعتبار أن سلطة الدفاع الوطني التي كان وزير الدفاع الوطني على رأسها سابقا ، وأصبح على رأسها حاليا الوزير الأول ، وهو الرئيس الأعلى للسلطة التنفيذية (وإن كان دوره يقتصرفقط على التوقيع وان شأن القضاء العسكري يوجد بيد مجموعة من الجهات العسكرية)، هي من تقرر كل شيء وتتحكم في القضاة وفي تعيينهم وفي طبيعة الأحكام وكذلك في العقوبة ،ونظرا كذلك لمقتضيات قانون العدل العسكري الرديئة جدا في ترجمتها والغامضة والقاصرة في بياناتها ، واستعمالها في نفس الوقت اللغة العسكرية واللغة القانونية، كل هذه الأسباب أدت إلى نفور الباحثين المغاربة في البحث في القضاء العسكري ،لكن مع توالي الأحداث والزج بالمدنيين في محاكمات غير عادلة أمام المحاكم العسكرية ونظرا للوضع المتقدم الذي منحه الاتحاد الأوروبي للمغرب الذي اقترح عليه لضرورة ملاءمتها للتشريعات والمواثيق الدولية ، وكذلك بعض الهيئات الحقوقية بالمغرب التي ناشدت بضرورة إصلاح منظومة العدالة ، وكان ذلك مباشرة بعد محاكمة المتهمين بإحداث كديم إزيك أمام المحاكم العسكرية رغم ما وفر لها من ضمانات، وبعد دستور 2011 من خلال الفصل 127 الذي نص على " ... لايمكن إحداث محاكم استثنائية " يدفع للجزم أن المحكمة العسكرية أصبحت محكمة غير دستورية عملا بمنطوقه،كل هذه الأسباب والعوامل جعلت المشرع المغربي من خلال القانون الجديد الذي دق أخر مسمار في نعش المحاكم الاستثنائية وهو قانون 108.13 المتعلق بالقضاء العسكري الذي شكل حدثا حقوقيا متميزا في مسار التأسيس المتين لدولة الحق والقانون واستجابة قوية لنداءات الحركة الحقوقية وكذلك حضي بتنويه وإشادة دولية حيث تمنه الاتحاد الأوروبي ومنظمة العفو الدولية كما جاء تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية المضمنة في العديد من الخطب أبرزها خطاب 8 ما 2013 من هنا يأتي التساؤل هل فعلا استجاب النص والقانون بأبرز المطالب الحقوقية المتعلقة بمحاكمة العسكريين ؟ وهل فعلا نحن أمام قانون يجرم محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية ؟ وهل فعلا أصبحت المحاكم العسكرية محاكم متخصصة ؟وهل تم تحجيم اختصاصات هده المحاكم ؟
لهذا ارتأينا البحث عن أجوبة وذلك من خلال الاعتماد على منهج تحليلي استقرائي لأهم المستجدات التي جاء بها هذا القانون 108.13 المحدث بظهير 10 دجنبر 2014 المتعلق بالقضاء العسكري على الشكل التالي :
المبحث الأول: كرونولوجيا القضاء العسكري ومدى تكييف منظومته مع المواثيق والمعاهدات الدولية
المبحث الثاني: مستجدات قانون القضاء العسكري على ضوء قانون 108.13/2014-12-10
المبحث الأول : كرونولوجيا القضاء العسكري ومدى تكييف منظومته مع المواثيق والمعاهدات الدولية .
المطلب الأول: تاريخ القضاء العسكري.
منذ القدم كانت تسود حالة دائمة للفوضى وعدم الاستقرار بين عشيرة وعشيرة وبين قبيلة وقبيلة وبين جماعة وجماعة وبين وطن ووطن ، ثم كان ولا بد من تأسيس وتنظيم الجيوش وتهيئها للحروب حيث كان من اللازم إيجاد قوانين واليات بغية الرفع والحفاظ في نفس الوقت على معنويات الجيوش والسهر على انضباطه وامتثاله لأوامر رؤسائهم ومعاقبتهم عند الاقتضاء في حالة إتيانهم لأفعال من شأنها أن تضعف قوتهم القتالية والمس بنظام وضوابط المجتمع الذين ينتمون إليه .فكان الجنود انذاك يعتبرون حماة الوطن والمواطنين الشجعان القادرين على تعريض صدورهم للنيران البنادق ويبقى غيرهم جبناء وبالتالي كيف يتأتى للجبان أن يوقف ويعتقل ويحاكم الشجاع ؟
من ثم كان لابد من تأسيس جهاز خاص للجنود رفعا لمعنوياتهم واعترافا لدورهم وتضحياتهم ولم تكن تعرف القوانين العسكرية القديمة أنذاك ما يسمى حاليا بالقواعد الإجرائية فقد كانت سلطة التأديب هي نفسها سلطة العقاب وكانت محاكمة الجنود تتم تقريبا بنفس الطريقة التي تتم بها محاكمة باقي المخالفين للقوانين .
من هنا يطرح السؤال يا ترى كيف نظمت وأسست الحضارات قانونها العسكري لضبط سلوك وانحراف الجنود ؟ .
الفقرة الأولى: لمحة تاريخية للقضاء العسكري عبر الحضارات
أولا- القوانين العسكرية في شريعة حمو رابي
لقد نظمت شريعة حمو رابي قضائها الذي كان يطبعه الطابع الديني ويتولى أمره الكهنة في المعابد ، إلى قضاء يحكمه قضاة مدنيين بجانبهم موضفين عسكريين موضوعين تحت تصرف القاضي ويسمون ( عداء القضاء ) ، وقد نصت مدونة حمو رابي على مجموعة من الافعال تتم المعاقبة عليه في حالة ارتكابها من طرف احد الجنود كما تنظم هذه المواد ممتلكات الجندي لاسيما في حالة أسره . ونورد بعض ما نصت عليه مواد المدونة السالفة ذكرها :
المادة 26 "إذا كان جندي أو صياد سمك أمر بالذهاب في مهمة للملك ولم يذهب بل استخدم أجيرا وارسله بدلا منه ، فذلك الجنذي أو صياد السمك سوف يقتل وأما بديله فسوف يأخد بيته ويحتفظ به ".
المادة 35 " أذا اشترى رجلا من يد جندي أبقارا أو أغناما كان الملك قد أعطاها للجندي ، فإنه يخسر دراهمه ".
ثانيا – القوانين العسكرية في مصر القديمة
لقد عرفت مصر القديمة نظام عسكري محكم وذلك من خلال تأسيس جيوشها التي مكنتها من الحفاظ على استقرارها داخليا وعلى هيبتها خارجيا ، عبر تزويدهم بكل الاسلحة للقيام بمهامهم موازات مع ذلك عرف نظام الجيش عقوبات خاصة للجنود كانت عقوبات أكثر جسامة من العقوبات المحكوم عليها من المدنيين إذا ارتكبوا ذات الجريمة ، ولضمان حسن الانضباط في صفوف الجنود ، ومن بين الجرائم العسكرية على سبيل المثال، ترك الخدمة والفرار من ميدان القتال والهروب من الخدمة العسكرية والعصيان لأوامر الرؤساء فالعقوبة كانت التجريد من شرف الانتماء إلى الجيش .
ونشير إلى ان مصر القديمة إلى جانب القانون العسكري الموضوعي قانون عسكري إجرائي وذلك لإحداث محاكم خاصة ومحاكمة الجنود وشرطة عسكرية تبحث وتحقق في الجرائم العسكرية
ثالثا – تاريخ القضاء العسكري في الدولة الاسلامية
لم تكن الدولة الاسلامية تعرف قضاء إستثنائيا رغم ميل القضاء إلى التخصص سواء من حيث الاشخاص أو من حيث القضايا باعتبار الجنود كانو يختلفون كثيرا عن باقي الناس ، وكانت مقاضاتهم تتم أمام القاضي المعين من طرف الخليفة فقد أورد المارودي أن حارثا إبن نبهان عن أبان بن عثمان روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "أنهو جيوشكم عن الفساد فإنه ما فسد جيش قط إلا قدف الله في قلوبهم الرعب، وأنهو جيوشكم عن الغلول فإنه ما غلى جيش قط إلا سلط الله عليهم الرجلة،وأنهوا جيوشكم عن الزنا فإنه ما زال جيش قط إلا سلط الله عليهم الموتان"
كما أن الحضارة العباسية عرفت شرطة خاصة بالجيش ،وكان القاضي أنذاك يسمى قاضي الجند باعتبار المسلمين كانوا في البداية جنودا ثم تحولت التسمية إلى قاضي الجماعة قاضي خاص بالعسكر كان يخرج مع الجيش ويعود معهم .
رابعا – القوانين العسكرية بفرنسا
لقدعرف القانون الفرنسي القديم محاكم عسكرية ، أصدر الملك فيليب قانونا سلب بموجبه الاختصاص للمحاكم العادية للنظر في القضايا المتعلقة بجنوده ، وعرفت الثورة الفرنسية المحاكم العسكرية بتشكيلات مختلفة وكانت تختص بالنظر بالجرائم العسكرية التي يرتكبها الجنود اما ارتكابهم باقي الجرائم فقد كانت تختص به المحكمة العادية .وفي سنة 1958 صدر بفرنسا قانون جديد للعدل العسكري عمل على توفير مجموعة من الضمانات للمتهم العسكري على غرار المتهم المدني ، كما تم إقرارمبدأ أن العسكري لا يمكن ان يحاكم من طرف عسكري اقل منه رتبة ،حيث عرف هدا القانون عدة محاولات للإصلاح في اتجاه احترام الحريات ، لكن اندلاع الحرب العالمية الاولى اخر هده الاصلاحات إلى حين صدور قانون 9 مارس 1928 بمثابة قانون للعدل العسكري ،من هنا كان التنظيم القضائي العسكري الفرنسي منظما بقانون 1920 بالنسبة للسلاح الارضي وقانون 1938 للسلاح الجوي ، وبتاريخ 8 يوليوز 1965 صدر قانون العدل العسكري الذي ألغى قانون 9 مارس 1928 وأتى بتغيرات مهمة حيث اقتصر على نوعين من المحاكم ، المحاكم الدائمة للقوات المسلحة والمحاكم العسكرية للجيوش ، وخلال سنة 1982 طرأت ثورة في قانون العدل العسكري حيث صدر قانون 21 يوليوز 1982 ألغى المحاكم العسكرية وميز هذا القانون بين المحاكمات داخل فرنسا في حالة سلم وفي وقت الحرب .
الفقرة الثانية : تطور القضاء العسكري بالمغرب
يمكن الحديث عن تطور القضاء العسكري بالمغرب وفق ثلاثة مراحل اساسية :
أولا – مرحلة ما قبل الحماية مع تأسيس دولة الادارسة
في هذه المرحلة خلالها كان المغرب من الدول القليلة التي لها تنظيم سياسي و عسكري حافل بالأمجاد والتحديات و أصبحت الدولة المغربية اكثر تنظيما وأصبح الجيش اكثر بطشا وقوة غير أنه لا يمكن القول انه كانت هناك محاكم وقوانين العسكرية بالمعنى الحديث عن القضاء العادي التقليدي هو من كان يتولى البت في المنازعات كيفما كانت بصرف النظر عن مرتكبيها ، لكن هناك جرائم خاصة بالجنود تخرج من اختصاص القاضي العادي كما ان جرائم عسكرية اخرى يعود الحكم فيها لقائد الرحا الذي لا يحكم إلا على أهل طابوره وقبل تنفيذ الحكم عن قائد الرحا لابد من موافقة العلاف والحراب والمكلف من قبل الكومندان عليها وقبل تدقيق البحت فيها ، ويجب ان تكتب العقوبات في السجل المعين لها الذي يقدم كل يوم إلى نظر العلاف والحراب ومن لم يمتثل لهذا من قياد الاراحي يعاقبه عقابا شديدا وللعلاف الحق في الزيادة على ما ذكرمن العقاب عندما يتحقق النفع في ذلك .
لكن يبقى التساؤل حول ما إدا كان الشخص الموكول له اصدار الاحكام (قائد الرحا) يستمد سلطته من القانون، وحول ما إدا كانت العقوبة المقررة بمقتضى القانون كذلك – على الاقل نص صادر عن السلطات ام ان الامر متروك للهوى والميزاج الحكيم .
ثانيا- مرحلة الحماية الفرنسية :
خلال هذه المرحلة تجاوزت الدولة المحتلة نظام الحماية وحولته إلى استعمار احكام السيطرة على البلاد وخلق نظام اداري قضائي عسكري خاص ،كما ان المستعمر الفرنسي انشأ محاكم الجيوش على غرار باقي المستعمرات بمختلف باقي المناطق العسكرية التي أنشأتها بالمغرب ، من اجل محاكمة أفراد المقاومة المغربية كل من يعارض الاستعمار الفرنسي
ثالثا – مرحلة ما بعد الاستقلال
خلال هده المرحلة تم إحداث القوات المسلحة الملكية ومن ثم كان لابد من إصدار قانون العدل العسكري وإحداث المحكمة العسكري الدائمة للقوات المسلحة الملكية ، وقد تم دلك بمقتضى ظهير 10 نونبر 1956 وجاء ذلك بعد إحداث التي وقعت في مكناس سنة 1956 وقتل خلالها مجموعة من الفرنسيين ولعل الملاحظة البارزة على هدا القانون انه كان مقتبسا في جل أحكامه من القانون الفرنسي المتعلق بالقضاء العسكري إضافة إلى انه تم تطبيقه بأثر رجعي بالرغم من طابعه الزجري ، حيث نصت المادة 215 منه "يجري العمل بهذا القانون ابتداء من 12 ماي 1956 ، باستثناء القضايا التي صدر بشأنها حكم ، إلى ان هذا القانون طرأت عليه تغيرات مهمة تتمثل في التعديلات التي تضمنها القانون ، قانون رقم 71-2 الصادر بتاريخ 26 يوليوز 1971 وأيضا تلك التي جاء بها القانون رقم 56 -77-1 الصادر بتاريخ 12 يوليوز 1977 المعتبر بمثابة النظام الأساسي للقضاة العسكريين وضباط كتابة الضبط وضباط الصف ومستكتبي الضبط بمصلحة العدل العسكرية وبالرغم من ذلك ، فإن المحكمة العسكرية تعرضت لمجموعة من الانتقادات من قبل معارضيها لاسيما بمناسبة محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم القتل والتنكيل بالعديد من أفراد قوات الامن المغربية أثناء تفكيك مخيم كديم إزيك بنواحي مدينة العيون .فماهي أهم مرجعيات ودوافع اصلاح منظومة القضاء العسكري بالمغرب؟
المطلب الثاني : مرجعيات إصلاح منظومة القضاء العسكري بالمغرب.
الفقرة الأولى: الدوافع الداخلية والخارجية :
شكلت محاكمات المتهمين بأحداث مخيم كديم ايزيك لسنة 2010 ،التي سلطت الضوء على واقع القضاء العسكري،والتي أثارت جدلا كبيرا رغم ما وفر لها من ضمانات لتكون محاكمة عادلة ، كما قد ساهم عدد من التقارير الوطنية والدولية في إعادة فتح النقاش بشأن ضرورة إصلاح القانون العسكري المغربي. ومن أبرز التقارير في هذا المجال، التقارير الصادرة عن لجنة الحقوقيين الدولية (ICJ)، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان(FIDH)، والشبكة الأورو- متوسطية لحقوق الإنسان(EMHRN) ، إلى جانب مذكرة المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول قانون القضاء العسكري، وكذا مذكرة إصلاح القضاء بالمغرب الصادرة عن عشر جمعيات حقوقية خلال شهر يونيو 2010، وتقرير جمعية «عدالـة» الصادر في يونيو 2011 وقد صاحب ذلك حراك حقوقي واسع شاركت فيه جميع القوى الحية في البلاد، مما اسهم في التعجيل في تعديل القانون المنظم للقضاء العسكري بعدما عمّر زهاء ستين سنة.
- توصيات هيئات الأمم المتحدة خاصة لجنة مناهضة التعذيب في تقريرها الدوري (أكتوبر، نونبر 2011) والذي أوصت فيه بعدم محاكمة جميع المدنيين أمام المحاكم العسكرية.
- الاتفاق المشترك المبرم بين المغرب وبرلمان مجلس أوروبا بتاريخ 21 نونبر 2011 الذي أعطى المغرب وضع شريك في الديمقراطية وفي المقابل تعهد المغرب بملاءمة تشريعه لتشريعات دول هذا المجلس
- المفهوم المتجدد للسلطة كبديل متقدم لمفهومها الجديد الذي انبثق كمفهوم موائم ،وملائم لمجابهة تحديات انية ومستقبلية تفرض الاستعداد التام ،واليقظة والذكاء الاستراتيجيين ، ويعتبر تأهيل السلطة وإصلاحها وضمان أسس حكامتها عبر مسايرة الواقع المرتهن بالعديد من الإشكاليات ،والمخاضات والتمارين، ،أساسا يرتكز عليه مشروع القانون المتعلق بالقضاء العسكري.
- توصيات هيئات الإنصاف والمصالحة، خاصة المتعلقة بالحكامة الأمنية وما يتعلق بالتعزيز القانوني للحقوق والحريات الفردية والجماعية، و تدقيق المساطر والآليات القضائية القبلية والبعدية الكفيلة بضمان التوازن بين ضرورة توسيع مجالات الحرية، وصيانة كرامة الأفراد وحياتهم الخاصة وما يقتضيه مكافحة الإرهاب، العنف، والتمييز بشكل متوازن؛ علاوة على تعزيز المراقبة القضائية لما بعد صدور الأحكام.
- الميثاق المتعلق بإصلاح منظومة العدالة الذي وضع تشخيصا لوضعية العدالة وإشكالياتها، والصعوبات التي تعترض سيرها. وبناء على هذا التشخيص جرت بلورة الرؤية العامة لإصلاح منظومة العدالة، والتوجهات الكبرى التي يجب أن تحكم هذا الإصلاح. علاوة على الأهداف الاستراتيجية الكبرى المحددة في ما يلي: توطيد استقلال السلطة القضائية، وتخليق منظومة العدالة، وتعزيز حماية القضاء للحقوق والحريات، والارتقاء بفعالية ونجاعة القضاء، وإنماء القدرات المؤسسية لمنظومة العدالة، وتحديث العدالة القضائية، وتعزيز حكامتها.
الفقرة الثانية : دور مبادئ دستور 2011 في إصلاح القضاء العسكري.
في هذا الإطار، يقوم القانون الدستوري بدور محوري في ضبط نظام المراقبة التي يجب أن تخضع لها القوات المسلحة، وآليات إذعانها للسلطة المدنية، من أجل تجنب النزوعات التي من شأنها دفع العسكريين إلى الإنقلاب على السلطة السياسية. لهذا يفترض من الدستور أن ينص صراحة على الفصل بين السلط وعدم منح أي امتياز للعسكريين في علاقاتهم مع المؤسسات المدنية. وهذا ما تؤكد عليه مجمل الدراسات النظرية التي تلح على أهمية الدستور والتشريع العسكري في تقنين العلاقات العسكرية المدنية، وتؤكد على أن النموذج الديموقراطي ينظم بشكل جلي سيادة السلطة المدنية على السلطة العسكرية، ويجعل من الجيش مؤسسة مستقلة ومحايدة، وأداة من أدوات الوحدة المدنية لخدمة قضايا الأمن القومي وعلى رأسها السيادة والوحدة الترابية.
وضمن هذا السياق، فإن الدستور المغربي، على خلاف معظم دساتير دول العالم العربي، يتمتع ببنية قوية في هذا المجال، تقوم على أساس مبدأ الفصل بين السلط وتسير في اتجاه دعم التوافق بين المدنيين والعسكريين فيما يتعلق بقضايا الأمن القومي، وذلك من خلال النص على تأسيس المجلس الأعلى للأمن (الفصل 54( وبناء على هذه المعطيات، فإن هذه الدراسة تهدف إلى تحليل بنية العلاقات المدنية - العسكرية في الدستور المغربي التي عرفت تحولات مهمة، حسب تطور تطبيق مقتضيات الدستور، منذ استقلال المغرب إلى وقتنا الراهن، والتي شكلت منذ الدستور الأول جزءا من النسق العام للعلاقة القائمة بين الجيش والسلطة السياسية خاصة المؤسسة الملكية.
وبالرجوع إلى البدايات الأولى لتشييد هذه العلاقات، فإننا سنقف على المرحلة التي ميزت تاريخ تأسيس القوات المسلحة الملكية بعد الإستقلال عام 1956 إلى غاية دستور 1962، الذي يعتبر أول قانون دستوري في مغرب ما بعد الإستقلال، ينظم علاقة العسكريين بالمؤسسات المدنية، حيث نص على أن الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، وهو الذي يعين في الوظائف المدنية والعسكرية، وهو الضامن لإستقلال البلاد ووحدتها الترابية. كما حدد هذا الدستور القضايا المرتبطة بحالات الإستثناء وإعلان الحرب، والإجراءات المرتبطة بالمصادقة على المعاهدة الدولية المرتبطة بالسلم والحرب... ومجمل القول، فإن الفلسفة العامة لهذا الدستور كانت مبنية على مبدأ الحد من تدخل العسكريين في المجال السياسي غير أنه من حيث التطبيق، تحكمت في هذه المرحلة موازين القوى بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة الملكية دون اعتبار لمقتضيات الدستور، إذ لم يكن هناك تمايزا واضحا وفصلا حقيقيا بين المجال المدني ونظيره العسكري، بحيث كان الجيش يتدخل في الحياة السياسية للحد من نفوذ الأحزاب والنقابات، وكانت الحكومة إلى غاية 1972، تتضمن في حقائبها الوزارية بعض أفراد القوات المسلحة، وكان يشرف على عمالات عدد من المدن الكبرى، ضباط من الجيش...
وبعد المحاولتين الانقلابين ضد نظام الملك الحسن الثاني خلال سنتي 1970 و 1971، سيعرف المغرب موجة من التشريعات في المجال العسكري. إلا أن البنية الدستورية للعلاقات المدنية العسكرية ظلت على ما هي عليه في التعديلات التي أدخلت على دساتير 1962، 1970، 1972، 1992 و 1996.
إن التقدم الكبير الذي حدث في هذا المجال، حصل خلال دستور2011، الذي أتى بمنظومة متكاملة للعلاقات المدنية العسكرية، تمس اتخاذ القرار والتوازنات بين السلطة التتنفيذية والتشريعية والقضائية، فيما يخص دور الجيش داخل التراب الوطني وخارجه، وكذا مسألة المراقبة الديموقراطية للقوات المسلحة. وأهم تطور حقيقي يتمثل في إحداث المجلس الأعلى للأمن بمقتضى الفصل 54 الذي ينص من بين مقتضياته، على الحكامة الجيدة لقطاع الأمن هذا المجلس، الذي يضم عسكريين ومدنيين تحت إشراف الملك، يشكل الهيأة العليا للتداول في قضايا الأمن. كما أن خضوع الجيش للسلطة التنفيذية تبدو واضحة في فصول الدستور التالية: 42، 49، 53، 54، 57، 74، 99. يضاف إلى هذا الأمر مسألة المراقبة الديموقراطية التي يمارسها البرلمان على قطاع الأمن والدفاع التي يتناولها الدستور في الفصول: 1، 54، 99. أما في ما يتعلق بالشفافية ودور المجتمع المدني، فإن هذا الأمر يبدو واضحا في الفصول 27، 12، 15 37، 71. وتجدر الإشارة إلى أن دستور 2011، على غرار الدساتير السابقة يساوي بين المواطنين في الدفاع عن الوطن بمقتضى الفصل 38، كما يحصر لأول مرة حقوق ومسؤوليات المواطن-الجندي، وخضوع ممارسات القوات المسلحة الملكية للقانون الدولي الإنساني...
ومجمل القول، فإن الدستور المغربي لسنة 2011، يتوافق مع الأسس الديموقراطية التي تنظم العلاقات المدنية العسكرية، خاصة مبدأ الفصل بين السلط ومبدأ سيادة السلطة المدنية على نظيرتها العسكرية، التي يجب أن تتوفر في العلاقات المدنية العسكرية وفق النموذج الديموقراطي. ومن بين أهم الإستنتاجات التي يمكن أن نخلص إليها، هي أن الإشكاليات المرتبطة بالعلاقات المدنية العسكرية لا تكمن في نص الدستور، بقدر ما تطرح على مستوى التشريع العسكري والقوانين التنظيمية المنبثقة عنه، ومدى تطبيق هذا النص الدستوري في حالة تعارضه مع النصوص الخاصة بالتشريع العسكري من جهة، وعلى سلوكات ومطالب الفاعلين السياسيين، وأيضا على ضرورة بناء أسس الثقة والتواصل بين النخب العسكرية والنخب المدنية من جهة أخرى... وعليه، فإن هذه البنية الدستورية للعلاقات المدنية العسكرية تحتاج إلى تقويتها بالتشريع العسكري الذي يتلاءم ومقتضيات الدستور الجديد.
من هنا جاء اقتراح المجلس الوطني لحقوق الإنسان في مذكرة رفعها لجلالة الملك محمد السادس بشأن إصلاح القضاء العسكري ، بإلغاء المحكمة العسكرية وإسناد القضايا التي تختص بها إلى المحاكم العادية أو العمل على إعادة تحديد اختصاصها النوعي والشخصي، محيلا في هذا الصدد على الأخذ بنماذج عدد من البلدان التي يصفها بالديمقراطية المتقدمة من مثل فرنسا، إسبانيا، بلجيكا إيطاليا ، سويسرا وكندا. المذكرة التي تزامن الكشف عنها بعد مرور أيام قليلة على محاكمة المتهمين في أحداث إكديم إزيك أمام والملاحظات التي أثارتها العديد من الهيئات الحقوقية بشأن تقديم متهمين مدنيين أمام محكمة عسكرية، والدعوات الصادرة بإطلاق نقاش عمومي حول وضعية المحكمة العسكرية في التنظيم القضائي المغربي، في أفق إلغائها أو الحد من اختصاصها، تعد (المذكرة) مساهمة من المجلس الوطني لحقوق الإنسان في الحوار الوطني الجاري حول إصلاح العدالة، وهي تستهدف أساسا تقريب النظام العسكري الوطني من التوجهات الأساسية الملاحظة في البلدان الديمقراطية المتقدمة. المجلس الوطني لحقوق الإنسان يعتبر أن الفرصة تاريخية لإصلاح القضاء العسكري على اعتبار أن المغرب أطلق الحوار الوطني حول إصلاح العدالة والتي تشكل فرصة تاريخية لبناء تشاوري للمبادئ الأساسية المتعلقة بإصلاح هذا القطاع الاستراتيجي،مشيرا أن مشاركته في هذا النقاش العمومي المتعلق بالتنظيم القضائي ترجمها بتقديمه لهذه المذكرة المتعلقة بالظهير الشريف رقم 270. 56. 1 الصادر بتاريخ 6 ربيع الثاني 1376 الموافق ل10 نونبر 1956 المعتبر بمثابة قانون القضاء العسكري كما وقع تغييره وتتميمه. وأفاد المجلس الوطني أن دراسة التجارب المقارنة تؤكد الاتجاه الدولي السائد و المتمثل في تحديد الاختصاص النوعي للمحاكم العسكرية في وقت السلم في القضايا التأديبية ، فيما لوحظ في بعض الحالات المقارنة بأن هناك اتجاه لإلغاء المحاكم العسكرية في وقت السلم. ففي فرنسا مثلا ألغت بنص القانون المحاكم العسكرية في وقت السلم، و كذا المحكمة العليا الدائمة للقوات المسلحة مع الاحتفاظ بالمحاكم العسكرية في وقت الحرب، ونفس الاتجاه سارت عليه بلجيكا حيث تم التنصيص على أنه "تحدث في وقت الحرب محاكم عسكرية دائمة و محكمة عسكرية يحدد مقرها و دائرة نفوذها من طرف الملك"، وكذا الأمر بالنسبة لألمانيا إذ يقضي الدستور بإحداث محاكم جنائية عسكرية في وقت الحرب، أما في وقت السلم فإن مرتكبي الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي العسكري تتم مقاضاتهم أمام المحاكم الجنائية العادية. وسار على ذات النهج النظام القضائي الإسباني ففي وقت السلم، فإن القضاء العسكري الإسباني مختص فقط بالبت في الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي العسكري و بالبت في الطعون المتعلقة بالقرارات التأديبية الصادرة ضد العسكريين. و ضمن نفس المنطق، فإن المحاكم العسكرية السويسرية، مختصة في وقت السلم بالبت في الجرائم العسكرية المقترفة من طرف العسكريين الموجودين في وضعية خدمة، وتوجه مماثل يؤكده ا الدستور الإيطالي الذي ينص في أحد فصوله على أنه " في وقت الحرب ، تمارس المحاكم العسكرية اختصاصها طبقا للقانون. و في وقت السلم فلا تمارس هذه المحاكم اختصاصها إلا بالنسبة للجرائم العسكرية المقترفة من طرف أعضاء القوات المسلحة". و في نفس الاتجاه، فإنه لا يمكن أن يقاضى أمام محكمة عسكرية، طبقا لمدونة الانضباط العسكري الكندية، التي تشبه إلى حد كبير مثيلتها بالمملكة المتحدة إلا أعضاء القوات المسلحة الكندية. غير أن هناك استثناء على مستوى الاختصاص الشخصي للمحاكم العسكرية الكندية، إذ أن بعض فئات المدنيين يمكن أن يخضعوا لمقتضيات مدونة الانضباط العسكري الكندية، و يتعلق الأمر بالأشخاص الذين يرافقون عضوا للقوات المسلحة الكندية في مهمة خارج التراب الكندي. وأوضح المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن المقترحات المتضمنة في هذه المذكرة، على أن قد تم إعدادها بناء على مختلف المرجعيات المعيارية والتصريحية على المستويين الوطني والدولي .
هذا علما تشير المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان على أن إصلاح المحكمة العسكرية كان موضوعا حاضرا بصفة مستمرة في أجندة المنظمات غير الحكومية المهتمة بمجال التنظيم القضائي. وأبرز المجلس أن مقترحاته لإصلاح القضاء العسكري تستهدف بالأساس تقريب النظام العسكري الوطني من التوجهات الأساسية الملاحظة في البلدان الديمقراطية المتقدمة، وهي (مقترحات)تستند على ما تتضمنه مقتضيات الدستور الجديد ،إذ بات من الضروري ملاءمة بعض مقتضيات الظهير الشريف موضوع المذكرة مع ما حملته الوثيقة الدستورية الجديدة، وخاصة فيما يتعلق بحقوق المتقاضين ، واستقلال السلطة القضائية وحماية الحريات والحقوق الأساسية المضمونة دستوريا في حالة الاستثناء. كما تستند أيضا على ضرورة توضيح الطبيعة القانونية للمحكمة العسكرية الدائمة للقوات المسلحة الملكية ، ذلك أن الفصل 10 من الظهير المعتبر بمثابة قانون القضاء العسكري يحدث بالتراب المغربي محكمة عسكرية دائمة للقوات المسلحة الملكية، في حين أن قرارا سبق وصدر عن المجلس الأعلى للقضاء وذلك منذ 1979 ، كان قد عرف المحكمة العسكرية آنذاك بكونها"محكمة استثنائية". هذا فضلا عن أن المقترحات التي صاغها بشأن الاختصاص الشخصي والنوعي للمحكمة العسكرية تندرج في إطار إعمال الملاحظات النهائية لهيئات المعاهدات ، وخاصة توصيات الفقرة الثالثة عشر من الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب الموجهة للمغرب إثر تقديمه لتقريره الرابع (أكتوبر 2011) والتي أوصت فيها اللجنة المغرب بتعديل تشريعاته لكي تضمن محاكمة جميع المدنيين أمام المحاكم المدنية دون غيرها.
المبحث الثاني : مستجدات قانون القضاء العسكري على ضوء قانون 108.13/2014-12-10
شكل القانون رقم 13-108 المتعلق بالقضاء العسكري، وقفة نوعية في مسار تعزيز ترسانة حقوق الإنسان، وترجمة لمضامين دستور2011 والخطاب الملكي ل 08 ماي 2013 الذي أعلن انطلاق إصلاح منظومة العدالة، وكذا ملاءمة مقتضياته مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة والمتعلقة بحماية حقوق الإنسان. ، علاوة على كونه إجابة صريحة على كل مشكك في تطور المسلسل الحقوقي بالمغرب بشكل عام، وفي أقاليمه الجنوبية على وجه الخصوص.
ويعتبر هذا الحدث على درجة بالغة من الأهمية، وهوإلغاء آخر محكمة استثنائية في منظومة تشريعنا وهي المحكمة العسكرية بعد أن تم إلغاء المحكمة العليا ومحكمة العدل الخاصة سابقا، مضيفا أن فهم القانون وإدراك روحه وغاية المشرع منه يقتضي الإحاطة بالظروف والعوامل التي أملته ، ويتضمن عددا من المقتضيات الجديدة والهامة حيث تتوزع مضامينه على أربعة محاور أساسية تتمثل فيما يلي:
- إعادة النظر في الاختصاص النوعي للمحكمة العسكرية لجعلها محكمة متخصصة وليس استثنائية،فقد تم تحديد اختصاص المحكمة العسكرية بالنظر فقط في الجرائم العسكرية المرتكبة من قبل العسكريين وشبه العسكريين، كما نص القانون الجديد أيضا على استثناء العسكريين من اختصاص هذه المحكمة في حالة ارتكابهم لجرائم الحق العام، وتخويل ذلك للمحاكم العادية، علاوة على ما تضمنته المادة الخامسة منه والتي أكدت على مقتضى مفاده أن المحكمة العسكرية لم تعد مختصة بالنظر في الأفعال المنسوبة للأحداث كيفما كان وضعهم .
- توضيح الطبيعة القانونية للمحكمة العسكرية
- إعادة تنظيم ودعم مبدأ استقلالية القضاء العسكري
- تقوية ضمانات المحاكمة العادلة أمام المحكمة العسكرية وتعزيز حقوق المتقاضين.
كما تم تقليص الحالات المعاقب عليها بعقوبة الإعدام من 16 حالة إلى 5 حالات، حيث تم حصر هذه الحالات بدقة وحرص شديد نظرا لحساسية المسألة وباستحضار للمصلحة العليا للوطن وخصوصية المجال العسكري، كما تم التنصيص على التقيد بقانون المسطرة الجنائية في هذا الباب.
ورغم هذه المقتضيات الايجابية التي تضمنها القانون الجديد والذي حظي بترحيب حقوقي وطني ودولي واسع، فإن الابقاء على القضاء العسكري كباب خاص ملحق بالقوات المسلحة الملكية لا ينتمي للباب المتعلق بالسلطة القضائية هو تأكيد على الابقاء على هذا النوع الاستثنائي من المحاكم.
المطلب الاول: مستجدات القضاء العسكري على ضوء قانون 108.13
الفقرة الاولى : أهم المستجدات
كما هو معلوم فإن المشرع المغربي تخلى عن جميع المحاكم الاستثنائية و لم يبقى منها إلا المحكمة العسكرية التي تقتضيها مجموعة من الاعتبارات ليس فقط بالنسبة للمغرب وإنما بالنسبة للعديد من دول العالم، بل إن القانون الجديد 108.13قد يوحي بأنه أزال الصفة الاستثنائية عن هذه المحكمة نظرا للانتقادات العديدة التي وجهت له ،و هو ماحاول المشرع تداركه في إطار القانون الجديد خصوصا و أن المحكمة العسكرية لم تعد
تختص بالنظر في الأفعال المنسوبة للأشخاص المدنيين ، إضافة إلى أن مقررات المحكمة
العسكرية أصبحت قابلة للطعن أمام محكمة النقض، و بالتالي فإن أحكام المحاكم العسكرية
أصبحت تتميز بموضوعية في ظل القانون الجديد هذه الأخيرة التي لا يمكن أن تخرج
عن أحكام حضورية أو غيابية حسب الأحوال، و التي لا يمكن إصدارها إلا بعد مرورها
من مسطرة طويلة، الشيء الذي يضفي عليها نوعا من الموضوعية و بالتالي مطابقة
مقتضيات الدستور الجديد.
أ-الاختصاص النوعي والشخصي للمحكمة العسكرية:
على مستوى الاختصاص النوعي : فالمحكمة العسكرية، تم تقليص اختصاصاتها طبقا للقانون لتشمل فقط الجرائم العسكرية، كما ينص القانون أيضا على استثناء العسكريين من اختصاص هذه المحكمة في حالة ارتكابهم لجرائم الحق العام، وتخويل ذلك للمحاكم العادية، علاوة على ما تضمنته المادة الخامسة من نفس القانون التي أكدت على مقتضى مفاده أن المحكمة العسكرية لم تعد مختصة بالنظر في الأفعال المنسوبة للأحداث - الأشخاص الذين لم يتموا 18 سنة شمسية كاملة كيف ما كان وضعهم.
وبالرغم من أهمية السبق التشريعي المغربي في مجال القضاء العسكري الذي يعد خطوة غير مسبوقة إقليميا ،تختلف طروحات القانونيين والسياسيين، والمدنيين بين من يرى أن الإبقاء على القضاء العسكري كباب خاص ملحق بالقوات المسلحة الملكية ولا ينتمي للباب المتعلق بالسلطة القضائية هو تأكيد على تقليص دور القضاء العسكري واختصاصاته، وبين من يرى من جهة ثانية أن القضاء العسكري جزء من السلطة القضائية وأحد صورها.
وبين هذا وذاك يمكن القول في المحصلة أن القانون الذي يحظى بإعجاب خبراء قانونيين، وساسة، ومدنيين من مختلف القارات، يسترعي في الأول والأخير أن يحقق الأمنين القضائي والقانوني، وحيث أنه لا يمكن لأي مجتمع أن يعرف استقرارا إلا بالثبات النسبي في العلاقات القانونية، ولضمان هذا الثبات فإن السلطات العامة ملزمة بضمان استقرار المراكز القانونية دون مفاجأة الناس، بالتغيير في العلاقات القانونية، ولضمان الأمن القانوني لا بد من مشرع نشيط يساير الركب ،وبمثل هذه المشاريع النوعية (قانون القضاء العسكري) ستزرع الثقة في المؤسسة القضائية، وستتأكد حجية أن المشرع المغربي سواء كان أصليا أو فرعيا يعد من أنشط المشرعين في العالم، لكنه يجب أن يتفادى خلق الارتباك في المنظومة القانونية بتشريعات كمية، حتى لا يتسبب في إجهاد المنظومة القضائية.
ويوضح الظهير الشريف رقم 1.58.286 المتعلق بالزجر عن المخالفات للتشريع الخاص بالأسلحة والعتاد والأدوات المرفقة كان يعطي الاختصاص للمحكمة العسكرية أيا كانت صفة مرتكبي هذه الجرائم بمقتضى الفصل 2 منه، إلا انه بدخول قانون القضاء العسكري حيز التنفيذ فلم يعد من اختصاص المحكمة العسكرية البت في هذه الجرائم وذلك بالنظر للنسخ الذي لحق الفصل 2 السالف ذكره.
مجملا المبادئ والمستجدات التي جاء بها قانون القضاء العسكري فيما يخص الاختصاص النوعي والشخصي للمحكمة العسكرية في النقاط التالية:
* إدخال مقتضيات تقضي بإحالة العسكريين واشباههم على القضاء العادي في حالة ارتكابهم جرائم الحق العام لينحصر على العموم الاختصاص الشخصي والنوعي للمحكمة العسكرية وقت السلم في البت في الجرائم التي اتى بها هذا القانون ( البند 1 من المادة 4).
* عدم محاكمة المدنيين امام المحكمة العسكرية الا في وقت الحرب وفي حدود ضيقة، حيث تم نسخ مقتضيات إحالة المدنيين على المحكمة العسكرية كيفما كان نوع الجريمة المرتكبة وصفة مرتكبيها وقت السلم سواء كانوا فاعلين أصليين او مساهمين او شركاء عسكريين ولو كان الامر يتعلق بأشخاص مدنيين عاملين في خدمة القوات المسلحة حسب
(المادة 6) إلا انه إذا ارتكبت هذه الأفعال في وقت الحرب فان الاختصاص ينعقد للمحكمة العسكرية طبقا للبند 3 من المادة 4 والذي ينص على أن الجرائم المرتكبة في حالة حرب ضد مؤسسات الدولة او المرتكبة ضد امن الأشخاص او الأموال اذا ارتكبت لفائدة العدو او كان لها تأثير على القوات المسلحة، وجرائم الإعداد لتغيير النظام او الاستيلاء على جزء من التراب الوطني باستعمال السلاح والجرائم المرتكبة ضد النظم المعلوماتية والاتصالاتية والتطبيقات الالكترونية والمواقع التابعة للدفاع الوطني.
* استثناء الجرائم المرتكبة من قبل الضباط وضباط الصف والدركيين التابعين للدرك الملكي من اختصاص المحكمة العسكرية اثناء ممارسة مهامهم في اطار الشرطة القضائية واثناء ممارسة مهامهم في اطار الشرطة الادارية(المادة 4).
* عدم محاكمة الأحداث الذين يقل عمرهم عن 18 سنة وقت ارتكاب الفعل امام المحكمة العسكرية (المادة5 ).
* التنصيص على إمكانية إحالة القضايا المعروضة على المحكمة العسكرية لمحاكمة أشخاص يخضعون لاختصاصها على المحاكم العادية اذا كانت مرتبطة بقضايا رائجة على هذه المحاكم ولا يمكن فصلها عنها ( المادة8 ).
* نسخ المقتضيات الخاصة بإحالة مرتكبي الجرائم ضد امن الدولة الخارجي على المحكمة العسكرية في حالة السلم وهذه الجرائم هي المتعلقة ب : جرائم الخيانة - التجسس - المس بسلامة الدولة الخارجية وغيرها من الجرائم المنصوص عليها في الفصول من 181 إلى 200 من القانون الجنائي، هذه الجرائم إذا ارتكبت وقت السلم فإنها تبقى من اختصاص المحاكم العادية، أما إذا ارتكبت وقت الحرب فإنها تكون من اختصاص المحكمة العسكرية وذلك تطبيقا للمادة 3 من قانون القضاء العسكري.
* ضرورة فصل قضايا المدنيين عن قضايا العسكريين في حالة المساهمة او المشاركة في الأفعال المرتكبة ويمكن للمحكمة المدنية في هذه الحالة ان تؤجل البت في القضية إلى أن تصدر المحكمة العسكرية حكمها في الموضوع وذلك مع مراعاة أحكام المادة 3 وخاصة البند 3 منها وذلك في حالة ارتكاب جرائم في وقت الحرب ضد مؤسسات الدولة او امن الأشخاص أو الممتلكات إذا ارتكبت لفائدة العدو أو كان لها تأثير على القوات المسلحة وجرائم الإعداد لتغيير النظام او الاستيلاء على جزء من التراب الوطني باستعمال السلاح والجرائم المرتكبة ضد النظم المعلوماتية والاتصالاتية والتطبيقات الالكترونية والمواقع السبرانية التابعة للدفاع الوطني، بمعنى ان مساهمة او مشاركة المدني للعسكري في هذه الأفعال في وقت الحرب يجعل الاختصاص ينعقد للمحكمة العسكرية بالنسبة للجميع ولا يتم فصل قضية المدني عن العسكري وكذلك الأمر بالنسبة للجرائم المرتكبة من قبل اسري الحرب.
* في حالة ارتكاب شخص لجريمتين إحداهما من اختصاص المحكمة العسكرية والأخرى من اختصاص المحكمة العادية، فانه يحال أولا على المحكمة التي لها حق النظر في الجريمة المعاقب عليها بالعقوبة الأشد، وإذا كانت العقوبتين متساويتين فانه يحال أولا على المحكمة العسكرية، ويحال أيضا اولا على المحكمة العسكرية إذا كانت الجريمة المرتكبة هي الفرار من الجندية (المــادة 7).
* التنصيص على إمكانية المطالبة بالحق المدني أمام المحاكم العسكرية لكل شخص تضرر مباشرة من جريمة تختص المحكمة العسكرية بالنظر فيها ( المادة 9).
الفقرة الثانية :تنظيم المحكمة العسكرية.
تم احداثه غرف جنحية استئنافية وغرفة جنائية استئنافية كدرجة ثانية ذاخل المحكمة العسكرية وأيضا غرفة جنحية عسكرية تختص بالنظر في الطعون المقدمة ضد أوامر وقرارات قاضي التحقيق العسكري كما نصت عليه المادة 13 من ق. ق .ع .
- بالنسبة لغرف الجنح الاستئنافية العسكرية : تختص بالنظر في الاستئنافات المقدمة ضد المقرارات الصادرة عن غرفة الجنح الابتدائية
- بالنسبة لغرف الجنايات الاستئنافية العسكرية : تختص بالنظر في الاستئنافات المقدمة ضد المقرارات الصادرة عن غرفة الجنح الابتدائية العسكرية .
بالنبسة لتشكيلة المحكمة العسكرية فهي تضم إلى جانب الضباط السامين وهم الوكيل العام للملك ونوابه و وكيل الملك ونوابه وقاضي التحقيق العسكري، ضباط وضباط الصف وقادة فرق الدرك الملكي ورؤساء المراكز العسكرية والضباط الإداريين الملحقين بمختلف مصالح الجيش وضباط الدرك الحربي وضباط الصف و الدرك العاملين تحت إمرتهم وقت الحرب، وهؤلاء يتلقون التعليمات من الضباط السامين وكذلك من السلطات العسكرية المذكورة في (المادة 41) وهم قادة الحاميات و قادة الوحدات ورؤساء المصالح العسكرية إذا تعلق الأمر بالتثبت من الجرائم المرتكبة داخل الثكنات العسكرية أو بمواقع العمليات العسكرية، مضيفا أنه وطبقا ( للمادة 46) لا يجوز للضابطة القضائية العسكرية القيام بإجراء تفتيش في مؤسسات غير عسكرية أو في منازل أو محلات خاصة إلا بعد الحصول على إذن من الجهة القضائية المختصة بالمحاكم العادية ويجب على هذه الجهة أن تستجيب لطلب الإذن وأن تعين من يمثلها لحضور هذه العمليات، أما في حالة التلبس، فإن الضابطة القضائية العسكرية تكون ملزمة فقط بإشعار الجهة القضائية العادية المختصة دون الحصول على إذن كما هو الحال في حالة التلبس.
بالمقابل فإن الشرطة القضائية المدنية لا يجوز لها إلقاء القبض على المشتبه فيهم داخل مؤسسات عسكرية إلا بعد الحصول على إذن من السلطة العسكرية المختصة، ويتعين على هذه الأخيرة الاستجابة للطلب وتعيين من يمثلها، مسترسلا أن ( المادة 50) من القانون الجديد تخول للضابطة القضائية المدنية صلاحية البحث في الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة العسكرية في حالة عدم وجود ضابط الشرطة العسكرية بالمكان، وفي هذه الحالة توجه المحاضر والمستندات إلى النيابة العامة بالمحاكم العادية، التي تحيلها بدورها فورا على الوكيل العام للملك لدى المحكمة العسكرية، وأكد في الأخير أن ( المادة 54) تلزم الضابطة القضائية العادية والنيابة عامة وقاضي التحقيق وضباط الشرطة القضائية بإشعار الوكيل العام للمك لدى المحكمة العسكرية بكل جريمة خاضعة لاختصاص المحاكم العادية ارتكبها أو ساهم أو شارك فيها عسكري أو شبه عسكري ، كما يجب استشارة الوكيل العام للملك لدى المحكمة العسكرية قبل اعتقال أي عسكري أو شبه عسكري يوجد في مهمة عسكرية .
المطلب الثاني : المسطرة المتبعة أمام المحكمة العسكرية وطرق الطعن.
الفقرة الاولى : الاجراءات المسطرية:
نظم ق.ق.ع المسطرة و الإجراءات التي تتم أمام المحكمة العسكرية في المواد من 84 إلى
118 منه، وتبدأ هذه الإجراءات بتحريك الدعوى العمومية و باتخاذ قرار المتابعة من طرف الوكيل العام للمحكمة العسكرية في حق المحالين عليها، و ذلك تمهيدا لإنعقاد المحكمة والبث في القضية، ثم تليها مرحلة التحقيق التي يباشر الإجراءات فيها قاضي التحقيق العسكري. أما في حالة الإحالة المباشرة إلى هيئة الحكم بالمحكمة العسكرية تبلغ النيابة العامة إلى المتهم الإستدعاء في ظرف ثمانية أيام على الأقل قبل انعقاد الجلسة، ويتضمن الإستدعاء الأمر بالحضور لدى المحكمة العسكرية، وتبين التهم التي يحاكم بموجبها المتهم ونصوص القانون المطبقة عليها وأسماء الشهود الذين تريد النيابة العامة أن يستمع إليهم.
تكون مؤازرة الدفاع إلزامية في الحالات المنصوص عليها في المادة 316 من القانون
المتعلق بالمسطرة الجنائية، و إذا لم يختر المتهم دفاعا له في هذه الحالات، فإن النيابة العامة تعين له وجوبا دفاعا، ويجب أن يتضمن الإستدعاء إشعار المتهم باسم المدافع المعين، وإشعاره بأن في إمكانه اختيار دفاع غيره.
و على غرار باقي المحاكم الأخرى فإن جلساتها تكون علنية تحت طائلة البطلان، غير أنه
إذا تبين أن في هذه العلنية خطرا على الأمن أو الأخلاق، تأمر المحكمة بانعقاد الجلسة بصفة سرية، بل و يمكن لها أن تمنع نشر بيان عن المرافعات القضائية كلها أو بعضها و عند مخالفة هذا الحظر يتعرض مرتكبوه للعقوبة، علما بأن هذا المنع لا يسري على الأحكام التي يجوز نشرها، وفي جميع الحالات يصدر الحكم علنيا .
و من خصوصيات المسطرة كذلك، أن رئيس الجلسة يتولى مراقبة الجلسة، وضبط النظام
وتسيير البحث والمناقشات بها، وله مع مراعاة حقوق الدفاع، رفض كل ما يرمي إلى إطالتها بدون جدوى، كما له أن يرفعها مؤقتا.
يكون العموم مجردا من السلاح ملازما الصمت ومبديا الإحترام، وإذا عبر شخص أو عدة
أشخاص من الحاضرين علنية عن مشاعرهم، أو أحدثوا اضطرابا، أو حرضوا على الضوضاء بأي طريقة كانت بقاعة الجلسة، أو بأي محل آخر يباشر فيه علنيا تحقيق قضائي،أو ارتكبوا مخالفة، أو جنحة، أو جناية، يأمر رئيس الهيئة بطردهم ويحرر محضرا
يتضمن وقائع الحادث وتصريحات مرتكبيها والشهود عند الاقتضاء. وتطبق أحكام المواد 359 أو360 أو 361 من القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية حسب كل حالة
إجمالا هذا كل ما يتعلق بخصوصيات المسطرة المتبعة أمام المحكمة العسكرية، و الملاحظ من خلال هذا التحليل أن الدور الذي يضطلع به الوكلاء العامون للملك في القضاء العسكري ، هو شبيه بالدور الذي يقوم به رؤساء النيابات العامة بالمحاكم العادية، لا من حيث كيفية تحريك المتابعة،ولا من ناحية حفظ القضية.
أ- الاحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية:
بعد مسطرة الاستماع إلى المتهم و دفاعه و الشهود في حالة وجودهم، يتوجه أعضاء
المحكمة إلى قاعة المداولات و لا يمكنهم مغادرتها قبل أن يصدروا الحكم ، الذي قد يكون حضوريا أو بمثابة حضوري ) أولا (،و قد يكون غيابيا )ثانيا (.
1 حالات صدور الحكم الحضوري و بمثابة الحضوري
بعد المداولة، تصدر هيئة الحكم حكمها ، الذي قد يحمل إما وصف الحكم الحضوري أو
بمثابة حضوري و قد يكون غيابيا.
يكون الحكم بمثابة حضوري في الحالات التالية :
إذا تسلم المتهم الاستدعاء شخصيا بصفة قانونية وتغيب عن الحضور من غير أن يبرر تخلفه بعذر مشروع، يمكن أن يحكم عليه.
إذا طلب المتهم شخصيا أو بواسطة محاميه أن تجرى المناقشات في غيبته، وارتأت
المحكمة عدم ضرورة حضوره شخصيا، فإنها تستغني عن حضوره ويكون حكمها بمثابةحضوري .
في حالة حضور المتهم و صدرالحكم ضده، أو إذا صدر حكم تمهيدي حضوري و صرح المتهم أنه يعتبر نفسه متغيبا، أو في حالة علم المتهم بتأجيل القضية قصد النطق بالحكم لجلسة محددة
كما يكون حضوريا كذلك في حالة ما إذا قبل المتهم حضور المناقشة في تهمة و صرح أن يتغيب في تهمة أخرى، أو إذا كان هو نفسه الذي أحدث الاضطراب و أمر رئيس المحكمة بطرده من الجلسة و تابع المناقشات في غيبته، فإن الأحكام أو القرارات التي تصدر في حقه تكون حضورية.
أما في الحالة التي لا يتوصل فيها المتهم و لم ترد بشأنه أية إفادة تسمح بتعيين قيم في حقه،فإن الحكم الذي سيصدر يعتبر باطلا بسبب عدم استدعاء المتهم، " و قد دأبت بعض المحاكمات التي يكون همها الوحيد هو تصفية الملفات على حساب القانون و حقوق الدفاع على إدراج الملفات بالمداولة رغم عدم رجوع شهادة التسليم و في غياب أية إفادة حول سبب عدم حضور المتهم
2- حالة الحكم الغيابي
عالج المشرع المغربي مسألة الحكم الغيابي و قواعد المسطرة الغيابية في المواد من 115
إلى 118 من ق.ق.ع، و أحال في إطار هذه المواد على بعض مقتضيات قواعد المسطرة
الجنائية، و في هذا تنص المادة 116 من ق.ق.ع على أنه إذا حضر المتهم قبل انتهاء أجل
ثمانية أيام لا يجوز أن يحال إلى المحكمة العسكرية إلا بعد القيام بشكليات الإحالة
المنصوص عليها في المواد 84 و 85 و 86 من هذا القانون. وإذا لم يحضر فإن المحكمة
تصدر في حقه بمجرد انتهاء الأجل المذكور بناء على ملتمسات النيابة العامة حكما غيابيا أوحكما بناء على المسطرة الغيابية حسب الحالة.
و يجب التمييز أمام المحكمة العسكرية بين الحكم الصادر غيابيا في الجنح و بين المسطرة
الغيابية في الجنايات، غير أن ما يجمعهما هو صدور أمر عن رئيس المحكمة العسكرية
يطالب فيه المتهم بالحضور ثم بعد ذلك تتخذ الأمور مجراها إما نحو صدور حكم غيابي أو
سلوك المسطرة الغيابية ، و يترتب على عدم حضور المتهم داخل الأجل المحدد من طرف القاضي و الذي لا يمكن أن يقل على ثمانية أيام، إيقافه عن مزاولة حقوقه المدنية وتعقل أملاكه خلال مدة التحقيق الغيابي، ويمنع من رفع أية دعوى قضائية طيلة نفس المدة
ويصرح بأنه سيحاكم رغم تغيبه ،كما يمنع على الدفاع أن يؤازر المتهم المتغيب سواء
كانت القضية جنحية أو جنائية ،غير أنه إذا تعذر على المتهم مطلقا أن يحضر شخصيا،
فيمكن لمحاميه أو لذويه أو أصدقائه أن يعرضوا على غرفة الجنايات الأسباب المبررة
لغيابه
أثناء الجلسة تتلى جميع التقارير والمحاضر وشهادة الشهود ومضمن أوراق التحقيق
الأخرى، ويصدر المقرر وفق الشكليات العادية، ويعلن عنه في الأمر اليومي للوحدة أو
الحامية العسكرية التي ينتمي إليها المتهم، وإذا كانت العقوبة تتعلق بجناية يعلق القرار بكل
من مقر السلطة الإدارية المحلية لسكناه وبباب المحكمة العسكرية، ثم يحرر كل من كاتب
الضبط وممثل السلطة الإدارية محضرا كل واحد فيما يخصه، بعدها توجه النيابة العامة
ملخصا من المقرر الصادر بناء على المسطرة الغيابية إلى مصلحة مديرية أملاك الدولة
الواقع بدائرة نفوذها محل سكنى المتهم المحكوم عليه، ليبلغ المقرر الغيابي أو الصادر بناء
على المسطرة الغيابية إلى المحكوم عليه أو إلى محل سكناه .
هذا، و إن هذه القرارات التي تصدر على المحكمة العسكرية لا يجوز الطعن فيها
بالاستئناف أو النقض إلا من طرف النيابة العامة و الطرف المدني فيما يتعلق بحقوقه
من خلال ما سبق، يتبين لنا بأن جل الأحكام التي تصدر عن المحاكم العسكرية هي ذات
طبيعة زجرية، و هو ما أكد عليه المشرع بمناسبة إحالته بصريح العبارة في مجموعة من
المواد الواردة في ق.ق.ع على قواعد المسطرة الجنائية لا من حيث المسطرة المتبعة في
إصدار الأحكام و كذا الإجراءات و العقوبات إلى غير ذلك مع استبعاده للمقتضيات الواردة
في الحقل المدني.
ب- محتويات وشكليات الاحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية:
يجب أن يستهل كل أمر أو حكم أو قرار بالصيغة الآتية : المملكة المغربية باسم جلالة -
الملك وطبقا للقانون.
و حتى يكون الحكم صحيحا قانونا وفقا لقانون القضاء العسكري يجب تضمينه مجموعة
من البيانات منها أسماء القضاة و رتبهم و البيانات المتعلقة بالمتهم ونوع الجريمة التي
أحيل من أجلها على المحكمة العسكرية إلى غير ذلك من البيانات المنصوص عليها في
المادة 111 من ق.ق.ع
إضافة إلى ذلك يجب أن تكون أحكام المحكمة العسكرية معللة تعليلا سليما تحت تعرضها للنقض و تقوم الأسئلة التي يلقيها الرئيس و الأجوبة عنها مقام التعليل .
تنص المادة - 111 من ق.ق.ع على أنه : " يجب أن يستهل كل أمر أو حكم أو قرار
بالصيغة الآتية: المملكة المغربية باسم جلالة الملك وطبقا للقانون. -
ويجب أن يحتوي على ما يأتي :
بيان الهيئة القضائية التي أصدرته
تاريخ صدوره
بيان أطراف الدعوى المحكوم فيها مع تعيين الاسم العائلي والشخصي للمتهم وتاريخ
ومكان ولادته ومهنته ومحل إقامته وسوابقه القضائية إن وجدت ورقم البطاقة الوطنية
للتعريف.
كيفية وتاريخ الاستدعاء الموجه للأطراف إن اقتضى الحال
بيان الوقائع موضوع المتابعة وتاريخها ومكان اقترافها
حضور الأطراف أو غيابهم وكذا تمثيلهم إن اقتضى الحال والصفة التي حضروا بها
ومؤازرة المحامي
حضور الشهود والخبراء و التراجمة عند الاقتضاء
الأسباب الواقعية والقانونية التي ينبني عليها الأمر أو الحكم أو القرار ولو في حالة
البراءة
بيان مختلف أنواع الضرر التي قبل التعويض عنها في حالة مطالبة طرف مدني
بالتعويض عن الضرر الحاصل بسبب الجريمة
تعليل وقف تنفيذ العقوبة عند الاقتضاء
منطوق الأمر أو الحكم أو القرار
تصفية المصاريف مع تحديد مدة الإكراه البدني إن اقتضى الحال
أسماء القضاة المدنيين والعسكريين والمستشارين العسكريين الذين أصدروا الأمر أو
الحكم أو القرار واسم ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط
توقيع الرئيس الذي تلا الأمر أو الحكم أو القرار وتوقيع كاتب الضبط الذي حضر
الجلسة."
استنادا لما سبق يتضح، أن الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية يتميز عن باقي الأحكام
التي تصدرها المحاكم العادية ، و لو أن هذا الاختلاف نسبي نوعا ما، حيث أن كلا الحكمين يجب أن يستهلا بعبارة " باسم جلالة الملك و طبقا للقانون "، و يبقى الاختلاف في الهيئة التي تصدر الحكم، حيث تتشكل هيئة المحكمة العسكرية من قضاة مدنيين و آخرون عسكريون.
الفقرة الثانية :طرق الطعن في الاحكام العسكرية.
إن أبرز أهداف العدالة هو ضمان حقوق الدفاع للمتقاضي و الحق في محاكمة عادلة و
في حكم صادر داخل أجل معقول مع تخويل المتقاضي إمكانية مراجعته في أجل حدده
المشرع، و ذلك تطبيقا لما جاء به الدستور المغربي في الفصل 120 منه الذي ينص على
أنه :
" لكل شخص الحق في المحاكمة العادلة و في حكم يصدر داخل أجل معقول .
حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم ".
و نظم المشرع مسألة طرق الطعن في الباب الأول من القسم الثالث المعنون بطرق
الطعن من القانون رقم 108.13 المتعلق بالقضاء العسكري، و على غرار باقي
التشريعات فإن المشرع المغربي فتح المجال للطعن في القرارات و الأحكام بواسطة طرق
يمكن تصنيفها إلى عادية، و أخرى غير عادية، إلا أن هذه الطرق المطبقة في إطار
قانون القضاء العسكري تختلف على تلك المطبقة أمام باقي المحاكم ، و عليه
سنحاول توضيح كل ذلك في معرض حديثنا عن طرق الطعن العادية ) أولا ( و
غير العادية ) ثانيا(
أولا : طرق الطعن العادية
يعتبر التعرض على الحكم الغيابي في الجنح من أبرز طرق الطعن العادية في الأحكام
العسكرية ، كما يدخل في إطارها كذلك الطعن بالاستئناف
أ- الأحكام القابلة للطعن بالتعرض
جاء في مطلع الفقرة الأولى من المادة 119 من قانون القضاء العسكري أنه يجوز
للمتهم في حالة صدور حكم غيابي أن يقدم تعرضه على هذا الحكم خلال أجل عشرة أيام
الموالية للتبليغ، و بذلك يتضح أن الأحكام التي تقبل الطعن بالتعرض، هي تلك الأحكام
الصادرة غيابيا، أما الأحكام الحضورية أو بمثابة حضورية فلا تقبل هذا النوع من الطعون على اعتبار أنها تخضع للطعن بالنقض.
أجل و إجراءات التعرض
حدد المشرع أجل التعرض في عشرة أيام تحسب ابتداء من تاريخ تبليغ الحكم الغيابي إلى
الخصم بكيفية صحيحة، مع إثارة انتباهه إلى أن حقه في التعرض يجب أن يمارس داخل هذا الأجل و إلا سقط حقه في التعرض و ذلك بصريح الفقرة الأولى من المادة 119 من قانون القضاء العسكري المومأ إليها سابقا.
و على هذا الأساس يلزم التعرض على الحكم الغيابي بتصريح يقدمه المحكوم عليه أو
دفاعه لكتابة الضبط في ظرف العشرة أيام التي تلي التبليغ ، هذا الأخير الذي يجب أن يتم وفق المقتضيات المنصوص عليها في الفصول من 37 إلى 39 من قانون المسطرة المدنية، حيث يتم التبليغ بواسطة أحد أعوان كتابة الضبط، أو أحد الأعوان القضائيين، أوعن طريق البريد برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل أو بالطريقة الإدارية، أما إذا كان المرسل إليه يسكن خارج المغرب فإنه يوجه بواسطة السلم الإداري على الطريقة الدبلوماسية، أو بواسطة البريد المضمون، ثم يسلم الاستدعاء و الوثائق إلى الشخص نفسه أو في موطنه الحقيقي أو المختار أو في محل إقامته، أو في محل عمله، أو في أي مكان آخر يوجد به .
و تجدر الإشارة إلى إن التعرض المقدم من طرف المتهم يبطل الحكم الصادر عليه غيابيا
في مقتضياته الصادرة بالإدانة هذا في حالة حضور المتعرض في التاريخ المحدد للنظر في تعرضه، أما إذا لم يحضر فإنه يتم إلغاء تعرضه.
ب- الطعن بالاستئناف
حسبما هو مبين في المادة 121 من القانون 108.13 فإن الأحكام القابلة للطعن
بالاستئناف هي تلك الباتة في الجوهر و الصادرة عن غرفة الجنح الابتدائية العسكرية و
غرفة الجنايات الابتدائية العسكرية أمام المحكمة العسكرية.
أما الأحكام التمهيدية أو الصادرة في نزاع عارض أو دفوع فلا يقبل استئنافها إلا بعد
صدور الحكم في جوهر الدعوى وفي نفس الوقت الذي يطلب فيه استئناف هذا الحكم.
أجل و إجراءات الطعن بالاستئناف
بخصوص الطعن بالاستئناف فإنه في إطار القانون 108.13 كان المشرع صريحا حين
أحال على مقتضيات قانون المسطرة الجنائية و أحسن صنعا على اعتبار أن قانون
المسطرة الجنائية عالج مسألة الآجال بكيفية دقيقة.
و بالرجوع إلى المادة 400 من ق.م.ج الجديد فإن أجل الإستئناف يحدد في عشرة أيام
تبتدئ من تاريخ النطق بالحكم، إذا صدر بعد مناقشات حضورية في الجلسة بحضور
الطرف أو من يمثله أو إذا وقع إشعار أحدهما بيوم النطق به.
يسري هذا الأجل من يوم التبليغ للشخص نفسه أو في موطنه:
إذا لم يكن الطرف حاضرا أو ممثلا بالجلسة التي صدر فيها الحكم بعد مناقشات
حضورية ولم يسبق إشعاره شخصيا هو أو من يمثله بيوم النطق به؛
إذا كان الحكم بمثابة حضوري حسب مقتضيات الفقرات 2 و 4 و 7 من المادة 314
أعلاه
إذا صدر الحكم غيابيا حسب مقتضيات الفقرة الأولى من المادة 314 أعلاه.
غير أنه إذا استأنف أحد الأطراف داخل الأجل المحدد فلغيره من الأطراف ممن لهم حق
الاستئناف، باستثناء الوكيل العام للملك، أجل إضافي مدته خمسة أيام لتقديم استئنافهم.
هذا و يجب تقديم الاستئناف بتصريح إلى كتابة الضبط بالمحكمة التي أصدرت الحكم أو
إلى كتابة الضبط بمحكمة الاستئناف، غير أنه إذا كان المحكوم عليه معتقلا، فإن التصريح
بالاستئناف المقدم لكتابة الضبط بالمؤسسة السجنية يعد صحيحا ويتلقى حالا ويضمن بالسجل الخاص المنصوص عليه في المادة 223
و لا يفوتنا في هذا المقام الإشارة إلى أنه يترتب على تقديم الطعن بالاستئناف مجموعة
من الآثار يمكن إجمالها كالآتي :
أ ( في حالة تقديم الاستئناف من النيابة العامة أو من إدارة يخول لها القانون إقامة
الدعوى العمومية، يجوز لغرفة الجنح الاستئنافية أن تؤيد الحكم المستأنف أو تعدله أو تلغيهإما لفائدة المتهم أو ضده.
ب ( إذا قدم الاستئناف من المتهم وحده، فلا يمكن لمحكمة الاستئناف إلا تأييد الحكم أو
إلغاءه لفائدة المستأنف.
ج( يقصر استئناف الطرف المدني أو المسئول عن الحقوق المدنية نظر غرفة الجنح
الاستئنافية على مصالح المستأنَف المدنية ويتيح للمحكمة تقدير حقيقة الوقائع المتسببة في
الضرر المدعى به .
د( لا يخول هذا الاستئناف للمحكمة إلا تأييد الحكم أو تعديله أو إلغاءه لفائدة المستأنف.
و يجب الإشارة إلى أن الحكم الذي يصدر بعد هذا الاستئناف سواء قضى بالحقوق المدنية
أو برفضها لا يكون له أي تأثير على الدعوى العمومية، لكن شريطة أن يكون الحكم الصادر بناء على متابعة النيابة العامة قد اكتسب قوة الشيء المقضي به.
و كخلاصة لما تطرقنا له، يتضح أن هناك فروق جوهرية بين طرق الطعن هذه، حيث أن
أن قانون القضاء العسكري سار على نفس النهج المحدد في إطار المحاكم العادية، حيث حدد كطعن عادي الطعن بالتعرض و كذلك الطعن بالاستئناف و حدد لهذا الأخير أجل عشرة أيام تبتدئ من تاريخ النطق بالحكم، أما الطعن بالتعرض فحدد له عشرة أيام تحسب ابتداء من تاريخ تبليغ الحكم الغيابي إلى الخصم بكيفية صحيحة.
ثانيا - طرق الطعن الغير العادية :
بالإضافة إلى طرق الطعن العادية التي سبق الإشارة إليها، هناك طرق أخرى أطلق عليها الفقه تسمية طرق الطعن غير العادية، و طرق الطعن غير العادية المنصوص عليها في قانون القضاء العسكري هي الطعن بالنقض ) أولا (، و طلبات المراجعة ) ثانيا (.
أولا - الطعن بالنقض
أ -الأحكام القابلة للطعن بالنقض
الأصل أن الطعن بالنقض يسمح به في كل الأحكام و القرارت و الأوامر القضائية
النهائية الصادرة في الجوهر، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك أما الأحكام غير القابلة للطعن بالنقض هي :
- الأحكام الغيابية، حيث لا تقبل هذا النوع من الطعون، غير أن الأطراف الصادر في حقهم حكم حضوري أو بمثابة حضوري، فبإمكانهم الطعن فيه بالنقض.
- المقرارات الإعدادية و التمهيدية، حيث تنص المادة 522 من قانون المسطرة الجنائية
على أن المقررات الإعدادية أو التمهيدية أو الصادرة بشأن نزاع عارض أو دفع، لا تقبل
الطعن بالنقض إلا في آن واحد مع الطعن بالنقض في المقرر النهائي الصادر في الجوهر
- الأحكام الصادرة بغرامة لا تتجاوز 20000 درهم، إلا إذا أدلى المحكوم عليه بما يثبت أنه أدى الغرامة المحكوم بها عليه .
- قرارات الإحالة على محكمة زجرية : حيث قضى المجلس الأعلى )محكمة النقض حاليا(بعدم قبول طعن بالنقض في قرار للغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف بالرباط أيدت فيه أمرا بالإحالة من طرف قاضي التحقيق العسكري على المحكمة العسكرية معتبرا أن الطعن بالنقض لا يمكن إلا مع الحكم في الجوهر
- قرارات البث في الإفراج المؤقت و المراقبة القضائية، و ذلك بصريح المادة 524 من ق.م.ج
- قرارات عدم المتابعة : حيث لا يمكن للطرف المدني أن يطلب نقض القرار بعدم المتابعة إلا إذا نص هذا القرار على عدم قبول تدخله في الدعوى أو إذا أغفل البث في تهمة ما.
ب-أجل و آثار الطعن بالنقض
تكون المقررات الصادرة عن المحكمة العسكرية قابلة للطعن بالنقض أمام محكمة النقض
داخل أجل عشرة أيام من يوم صدور المقرر المطعون فيه وفق الأسباب والشروط
المنصوص عليها في القانون المتعلق بالمسطرة الجنائية، و يترتب على ممارسة هذا النوع
من الطعون جملة من الآثار يمكن إجمالها في الآتي :
إن الطعن بالنقض و كذا أجل الطعن يوقفان تنفيذ العقوبة، عدا إذا طبقت هيئة الحكم
المادتان 392 و 431 من ق.م.
يبقى المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية رهن الاعتقال إذا كان معتقلا احتياطيا وذلك أثناء أجل الطعن بالنقض أو في حالة تقديم هذا الطعن. غير أنه يفرج عنه بمجرد ما يقضي العقوبة المحكوم بها عليه ويفرج كذلك في الحال، عن المتهمين المحكوم ببراءتهم أو بإعفائهم أو بسقوط الدعوى العمومية في حقهم أو المحكوم عليهم بعقوبة سالبة للحرية موقوفة التنفيذ أو بغرامة فقط،وذلك بالرغم من الطعن بالنقض لا يوقف الطعن بالنقض أو أجله تنفيذ التعويضات المدنية التي يحكم بها على المحكوم عليه.
كما لا يفوتنا في هذا المقام الإشارة إلى أسباب النقض، و التي تتمثل في، خرق الإجراءات الجوهرية للمسطرة، و كذلك الشطط في استعمال السلطة، ثم عدم الاختصاص و الخرق الجوهري للقانون و أخيرا انعدام الأساس القانوني و التعليل .
ثانيا : طلبات المراجعة
نظم المشرع طلبات المراجعة في الباب الرابع من القسم الثالث من القانون 108.13 كما
أشرنا سابقا، و في هذا السياق أحال المشرع في إطار هذا القانون بصريح المادة 131 علىمقتضيات قانون المسطرة الجنائية، والتي حددت الحالات التي يمكن فيها تقديم طلب
المراجعة ، و الأشخاص المخول لهم طلب المراجعة.
أ - حالات طلب المراجعة
يمكن أن يقدم طلب المراجعة أيا كانت المحكمة التي بتت في الدعوى وأيا كانت العقوبة
الصادرة فيها:
- إذا صدرت عقوبة في دعوى القتل، وأدلي بعد ذلك بمستندات أو حجج ثبت منها قيام قرائن أو علامات كافية تدل على وجود المجني عليه المزعوم قتله؛
- إذا صدرت عقوبة على متهم، وصدر بعد ذلك مقرر ثان يعاقب متهما آخر من أجل نفس الفعل ولم يمكن التوفيق بين المقررين لما بينهما من تناقض يستخلص منه الدليل على براءة أحد المحكوم عليهما
- إذا جرت بعد صدور الحكم بالإدانة متابعة شاهد سبق الاستماع إليه وحكم عليه من أجل شهادة الزور ضد المتهم، ولا يمكن أثناء المناقشات الجديدة الاستماع إلى الشاهد المحكوم عليه بهذه الصفة
- إذا طرأ ت واقعة بعد صدور الحكم بالإدانة أو تم الكشف عنها أو إذا تم تقديم مستندات كانت مجهولة أثناء المناقشات ومن شأنها أن تثبت براءة المحكوم عليه.
ب- صاحب الحق في طلب المراجعة
يخول حق طلب المراجعة في الحالات الثلاث المشار إليها 84 في المادة 566 من ق.م.ج إلى كل من :
- للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بمبادرة منه أو بطلب من وزير العدل
- للمحكوم عليه أو نائبه القانوني في حالة عدم الأهلية؛
- لزوج المحكوم عليه المتوفى أو المصرح بغيبته وأولاده ووالديه وورثته والموصى لهم ولمن تلقى توكيلا خاصا منه قبل وفاته.
و يرجع حق طلب المراجعة في الحالة الرابعة المنصوص عليها في المادة 566 إلى وزير
العدل وحده، بعد استشارة لجنة مكونة من مديري الوزارة وثلاثة قضاة من محكمة النقض
يعينهم الرئيس الأول لهذه المحكمة من غير أعضاء الغرفة الجنائية.
8و نصت المادة 567 من ق.م.ج على أن الإحالة على الغرفة الجنائية بمحكمة النقض
تكون من الوكيل العام للملك لديها إما تلقائيا أو بطلب من وزير العدل، كما قد تتم على طلبمن الأطراف في الحالات الثلاث الأولى المنصوص عليها في المادة 566 من ق.م.ج
و كخلاصة لما تطرقنا إليه بصدد معالجة مسألة طرق الطعن غير العادية بالنسبة للمحكمة تاعسكرية نستنتج أن المشرع اعتمدا كطرق طعن غير عادية الطعن بالنقض وطلب المراجعة، و استبعاد تلك المنصوص عليها في المادة المدنية، أي إعادة النظر و
تعرض الغير الخارج عن خصومة، لكن ما يلاحظ من خلال معالجتنا لهذه المعطيات، أن
المشرع في إطار المحاكم العسكرية أحال كل ما يتعلق بالطعون على قواعد المسطرة
الجنائية كما أن أجل تقديم الطعن بالنقض كما حدده قانون القضاء العسكري هو 10 أيام من يوم صدور المقرر المطعون فيه.
خاتمة :
جاء هذا القانون الجديد 108.13 بجملة من المستجدات الهامة ،وفي مقدمتها إخراج الاشخاص المدنيين من اختصاصات المحكمة العسكرية ،ويعد هذا لبنة جديدة تنضاف إلى صرح الاصلاحات القانونية والحقوقية الرائدة التي جعلت المغرب يخطو بتبات نحو مستقبل مشرق قائم على أسس ديمقراطية تشاركيه والعدالة واحترام حقوق الانسان وكانت هذه الاصلاحات مثار إعجاب وتنويه الخبراء القانونيين والساسة المغاربة والأجانب حيت من بين هذه الانشادات ندكر على سبيل المثال :
مجموعة الصداقة الاتحاد الاوروبي – المغرب بالبرلمان الاوروبي التي اعتبرت اصلاح القضاء العسكري المغربي خطوة كبيرة نحو الامام لفائدة حقوق الانسان والديمقراطية
فرنسا التي اعتبرت باسم الناطق لوزارة الخارجية الفرنسية رومان نادل في لقاء مع الصحافة ان هذا النص القانوني يهدف إلى تعزيزدولة القانون وهو تقدم يتماشى مع الاصلاحات التي تم تبنيها من اقرار الدستور 2011.
تأكيد رئيس جمعية الصداقة المغربية بخاركوف على أن مشروع قانون القضاء العسكري يعد تكريسا للدموقراطية بالمغرب ويمكن المملكة من اعتماد المعايير الدولية في هذا المجال وكذلك يجعله في مصاف البلدان الديموقراطية ،ويقدم دليلا إضافيا على الارادة التي تحدو المملكة من أجل ضمان الحرية لاحترام حقوق الانسان،مؤكدا ان " ان المغرب يتميز بالاستقرار والامن اللدين ينعم بهما "
إشادة وزارة الشوؤون الخارجية والتعاون الاسباني في بلاغ ان اصلاح القضاء العسكري يشكل خطوة ايجابية نحو تعزيز واحترام حقوق الانسان والحريات في المغرب .
أكدت رئيسة الجمعية المغربية للقضاة أن مشروع قانون الاصلاح القضاء العسكري "قرار جيد للغاية" يكرس انخراط المملكة في مصار تعزيز وحماية حقوق الانسان ويأتي ملاءمة مع مضامين دستور والمعاهدات والاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان التي صادق عليها المغرب .
تثمين شيوخ وأعيان القبائل الصحراوية عن ارتياحهم للإجراءات العامة التي عرفها القضاء العسكري مبرزين أنها تشكل استثناء ونمودج يتحدى العالم العربي ويجسد وفاء المغرب بإلتزاماته الدستورية والدولية في مجال إشاعة ثقافة حقوق الانسان وحمايتها.
لكن بالرغم من هذه الإشادات عرف هذا القانون مجموعة من الانتقادات يمكن إجمالها في مايلي :
اعتبار القانون الجديد قانونا مطاطيا قابل للتمدد والانقباض حسب الظروف وبحسب الاوضاع وطبيعة الجريمة وطبيعة الاشخاص وهذا لا يليق بمحكمة متخصصة .
كون المادة الثامنة يكتنفها غموض حيث نصت في فقرتها الثانية أنه عندما يكون الارتباط بين المتهمين يِجل البت في القضية أمام المحكمة العادية إلى حين البت المحكمة العسكرية،وهذا الابداع الغريب يناقض مبدأ قرينة البراءة ومبدأ الفورية وتصبح المحكمة العسكرية جهاز إدانة لمن يتابع امام المحكمة العادية لما لها من انعكاس في حكمها بالادانة على استقلالية القرار القضائي أدبيا ومعنويا في مواجهة الشخص المؤجلة قضيته ، وهذه الوضعية تجعل المحكمة العادية في حالة تبعية للمحكمة العسكرية .
تحديد مفهوم التخصص هل هو مرتبط بطبيعة الشخص وصفته العسكرية ؟ أم هو اختصاص مرتبط بطبيعة الجرائم ونوعها ؟ وكلا هما يتقاطعان ، فالعسكري يمكن ان يرتكب جرائم بصفته مواطنا عاديا ينتقل من المجال العسكري إلى المستوى الجنائي إلى المجال المدني ، أي ان العسكري يمكن ان يرتكب جرائم الحق العام كغيره من المواطنين ، وبالمقابل يمكن للمدني ان يرتكب جرائم تدخل في المجال العسكري وخاصة أثناء الحرب ، في بعض الاحيان يكون الجهاز القضائي امام جريمة مركبة يتداخل فيها العسكري بالمدني .
استمرار اعتبار باب القضاءالعسكري، تابعا للقوات المسلحة الملكية دون السلطة القضائية، يجعل الطابع المتخصص للمحكمة العسكرية محل التساؤل.
عدم إحداث رئاسة للمحكمة العسكرية،وهو ما سيشكل ارتباك أثناء الممارسة نظرا للدور الذي تلعبه هذه المؤسسة لتدبير وتسيير المحكمة العسكرية على المستوى الإداري على الوجه الخصوص .
التأخر الذي عرفه إصدار هذا القانون لاسيما أن إمكانية هذا الإصلاح كانت متاحة قبل حدث مخيم اكديم ازيك.
تضخيم دور مؤسسة الوكيل العام للملك الذي المحكمة العسكرية من خلال إعطائه إمكانية عقد جلسات هده المحكمة في أي مكان أخر غير المقر الأصلي الرباط .
إشكالية للنقاش :
بما أن مقتضيات ظهير 10 دجنبر2014 بتنفيذ قانون 108.13 المتعلق بالقضاء العسكري أخرج محاكمة المدنيين من اختصاص المحكمة العسكرية ، لماذا لم يتم تطبيق هدا القانون على المتهمين بأحداث مخيم ازيك بأثر رجعي لكونهم اشخاص مدنيين تطبيقا لروح القانون الجديد ؟
لائحة المراجع
الكتب
د مصطفى الشابي : الجيش المغربي في القرن التاسع عشر – 1830 – 1912 الجزء الاول ، المطبعة والورقة الوطنية مراكش 2008
د عباس العبودي : شريعة حمو رابي المكتبة القانونية الناشر الدار العلمية الدولية مكتبة الثقافة للنشر والتوزيع .
الدكتور أحمد الشرقاوي: الجريمة العسكرية دار الجامعة الجديدة 2009
د الادريسي العلمي المشيشي محمد : المسطرة الجنائية، الجزء الأول : المؤسسات القضائية،منشورات جمعية تنمية البحوث و الدراسات القضائية، الرباط 1999
د الحسن البوعيسي : الوسيط في قانون القضاء العسكري، القسم الأول : المسطرة الجنائية
العسكرية، الطبعة الأولى 2011 ، مطبعة دار الأمان الرباط
د إدريس الحياني،عمر آنجوم : محاضرات في قانون المسطرة الجنائية المغربي، الطبعة الخامسة 2014،مطبعة قرطبة، أكادير
د محمد السماحي و موسى عبود : المختصر في المسطرة المدنية و التنظيم القضائي وفق تعديلات سنة 1993 ، طبعة 1994 ، مطبعة الصومعة
د عبد الحق المريني الجيش المغربي عبر التاريخ دار نشر المعرفة الطبعة الخامسة سنة 1997
د بهيجة سيمو الاصلاحات العسكرية بالمغرب 1944 إلى 1912 المطبعة الملكية الرباط 2000 سنة 1993 ، طبعة 1994 ، مطبعة الصومعة
د محمد الشرقاوي : النصوص التشريعية و التنظيمية الخاصة بالمحكمة العسكرية، مطبعة الأمنية، الرباط ) دون سنة النشر(
د عبد الرحمان الشرقاوي : التنظيم القضائي بين العدالة المؤسساتية و العدالة المكملة أو البديلة، الطبعة الثانية 2015 مطبعة ياديب الرباط
د عبد الرحمان الشرقاوي : التنظيم القضائي بين العدالة المؤسساتية و العدالة المكملة أوالبديلة،الطبعة الأولى 2013 ، مطبعة أمنية الرباط
د عبد الكريم الطالب : التنظيم القضائي المغربي، الطبعة الرابعة 2012 ، المطبعة و الوراقة الوطنية مراكش
د نورة غزلان الشنيوي : التنظيم القضائي للملكة، دراسة للبناء الأساسي وفق رؤية قانونية منذ فترة الحماية إلى غاية الألفية الثالثة، الطبعة الأولى 2010 ، مطبعة الورود إنزكان
المقالات
مقال منشور بالجريدة الالكترونية مغرس للدكتور إبراهيم اسعيدي متخصص في شؤون الحلف الأطلسي وفي السياسات الدفاعية والأمنية بالعالم العربي وهو كذلك مستشار لدى مركز الدراسات الدولية بالرباط بتاريخ 07-06-2012
مذكرة متعلقة بالظهير الشريف رقم 1.56.270 (6 ربيع الثاني 1376 الموافق ل 10نونبر 1956 )المعتبر بمثابة قانون القضاء العسكري كما وقع تغييره وتتميمه
مقال منشور في الجريدة الالكترونية " مغرس" الصحراء المغربية بتاريخ 22 - 05 – 2014
مقال منشور بالمجلة الالكترونية « المفكرة القانونية" بتاريخ 08 أب-أغسطس 2014
الفهرس
مقدمة 1
المبحث الأول : كرونولوجيا القضاء العسكري ومدى تكييف منظومته مع المواثيق والمعاهدات الدولية . 4
المطلب الأول: تاريخ القضاء العسكري 4
الفقرة الأولى: لمحة تاريخية للقضاء العسكري عبر الحضارات 4
الفقرة الثانية : تطور القضاء العسكري بالمغرب 8
المطلب الثاني : مرجعيات إصلاح منظومة القضاء العسكري بالمغرب 11
الفقرة الأولى: الدوافع الداخلية والخارجية : 11
الفقرة الثانية : دور مبادئ دستور 2011 في إصلاح القضاء العسكري 13
المبحث الثاني: مستجدات قانون القضاء العسكري على ضوء قانون 108.13/2014-12-10 20
المطلب الاول: مستجدات القضاء العسكري على ضوء قانون 108.13 21
الفقرة الاولى : أهم المستجدات 21
الفقرة الثانية : تشكيلة المحكمة العسكرية 26
المطلب الثاني : المسطرة المتبعة أمام المحكمة العسكرية وطرق الطعن 28
الفقرة الاولى : الاجراءات المسطرية: 28
الفقرة الثانية :طرق الطعن في الاحكام العسكرية 37
خاتمة 49
لائحة المراجع 52
الفهرس 54

- ملاحظة :
- تجنب وضع تعليقات غير مرغوب فيها ستتم ازالتها فور مراجعتها.
- تجنب تضمين عناوين URL الخاصة بموقع الويب في تعليقاتك.